احد لوقا الثامن
خلّص يا ربّ شعبَك وبارِك ميراثَك
استيخن: إليك يا ربِّ أصرخُ إلهي
فصلٌ من رسالةِ القديسِ بولسَ الرسولِ إلى أهلِ أفسس
يا أخوةُ إنّ اللهَ لكونِهِ غنياً بالرحمةِ ومن أجلِ كثرةِ محبتِهِ التي أحبَّنا بها. حين كنا أمواتاً بالزلاتِ أحيانا مع المسيح، (فإنكم بالنعمةِ مخلَّصون). وأقامنا معهُ وأجلَسنا معهُ في السماويَّاتِ في المسيحِ يسوعَ. ليُظهِرَ في الدهورِ المستقبَلَةِ فَرْطَ غنى نعمتِهِ باللطفِ بنا في المسيحِ يسوع. فإنكم بالنعمةِ مخلَّصونَ بواسطةِ الإيمانِ، وذلك ليسَ منكم إنما هو عطيَّةُ الله. وليسَ من الأعمالِ لئلا يفتخرَ أحدٌ. لأنَّا نحنُ صُنعُهُ مخلوقينَ في المسيحِ يسوعَ للأعمالِ الصالحةِ التي سبقَ اللهُ فأعدَّها لنسلُكَ فيها.
فصل شريف من بشارة القديس لوقا البشير
في ذلك الزمان دنا إلى يسوعَ ناموسيٌ وقال مجرباً لهُ يا معلمُ ماذا أعملُ لأرثَ الحياةَ الأبدية. فقال له ماذا كُتِبَ في الناموس، كيف تقرأُ. فأجاب وقال أحبِبِ الربَّ إلهَكَ من كلِّ قلبِكَ ومن كلِّ نفسِكَ ومن كلِّ قدرتِكَ ومن كلِّ ذهنِكَ وقريبَكَ كنفسِك. فقال له بالصواب أجبتَ، اعملْ ذلك فتحيا. فأرادَ أن يزَكي نفسَه فقال ليسوعَ ومن قريبي. فعاد يسوعُ وقال كان إنسانٌ مُنْحَدِراً من أورشليمَ إلى أريحا فوقع بين لصوصٍ فعرُّوهُ وجرحوهُ وتركوهُ بين حيّ وميتٍ. فعرض أن كاهناً كان مُنْحَدراً في ذلك الطريقِ فأبصرهُ وجازَ من أمامهِ. وكذلك لاويُّ وأتى إلى المكان فأبصرهُ وجازَ من أمامهِ. ثم إنّ سامرياً مسافراً مرَّ به فلما رآهُ تحنن. فدنا إليه وضمَّدَ جراحاتهِ وصبَّ عليها زيتاً وخمراً وحملهُ على دابتِهِ وأتى بهِ إلى فندقٍ واعتنى بأمرهِ. وفي الغدِ فيما هو خارجٌ أخرجَ دينارَيْن وأعطاهما لصاحبِ الفندقِ وقال له اعتنِ بأمرهِ، ومهما تُنْفِق فوقَ هذا فأنا أدفعَهُ لكَ عند عودتي. فأي هؤلاءِ الثلاثةِ تحسَبَ صار قريباً للذي وقعَ بين اللصوص. فقال الذي صنعَ إليهِ الرحمةَ، فقال له يسوعُ امضِِ فاصنَعْ أنتَ أيضاً كذلك.
تفسير الانجيل
إن كان الله في حبِّه يشتاق إلى كل نفسٍ، فقد رأينا ربَّنا يسوع المسيح يتهلَّل بالروح من أجل تمتَّع البسطاء بنعمة المعرفة الروحيَّة، ولئلا يظن اليهود أن هذه النعمة حِكْر على بني جنسهم، قدَّم لنا السيِّد مثل "السامري الصالح" ليُعلن مفهوم الأُخوَّة العامة أو الجامعة بالنسبة للإنسان طيب القلب، فكم بالحري يليق بالله أن يحب كل البشريَّة التي هي من صنع يديه، دون تمييز بين جنس أو لغة.
بلا شك مثل السامري الصالح هو أحد المعالم الهامة في إنجيل معلِّمنا لوقا البشير، لِما حواه من مفاهيم روحيَّة ولاهوتيَّة عميقة، لكن معلِّمنا لوقا لم يرد أن يورده إلا من خلال الظروف التي أحاطت بالنطق به، إذ تزيد الظروف من المثل بهاءً، وتكسبه جمالاً أعظم، فإننا لا نقدر أن ندرك قيمة النور ما لم نتحسَّس الظلام، ولا يعرف قيمة الصحَّة إلاَّ الذي ذاق المرض. يمكننا أن نُلخص ملابسات هذا المثَل في النقاط التالية:
أولاً: يقول الإنجيلي "وإذا ناموسي قام يجُرِّبه"؛ لعل الناموسي قد حسد السيِّد لِما رآه فيه كصاحب سلطان في أعماله وفي كلماته، الأمر الذي بهر الشعب، فالتفوا حوله، مع أنه لم يتخرج في مدرسة المدارش التقليديَّة، وقد اقتحم صفوف المعلمين دون استئذان وفاقهم، بل وصار يمثِّل خطرًا عليهم بتعاليمه الروحيَّة ومفاهيمه الفائقة. والعجيب أن هذا الناموسي، وهو معلِّم في الشريعة أو الناموس اليهودي في أدب اجتماعي "قام" يسأل السيِّد، أما في قلبه فقد أراد أن "يجُرِّبه"، وقد ورد هذا التعبير عن إبليس (لو 4: 22)... حمل الناموسي صورة التقوَّى وقلب إبليس في داخله! لكن السيِّد يخرج من الآكل أُكلاً ومن الجافي حلاوة.
ثانيًا: جاء سؤال الناموسي: "يا معلِّم ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديَّة؟" [25] يكشف في أعماقه ما أصاب الأُمَّة اليهوديَّة، فمع ما لديهم من الكتب المقدَّسة التي تضم الناموس والنبوَّات لكن المعلِّمين أنفسهم يشعرون بالعجز العملي عن بلوغ الراحة الداخليَّة، أو التمتُّع بالحياة، لهذا لم يقل: "ماذا أتعلَّم؟" أو بماذا أُعلِّم الآخرين؟ إنما قال: "ماذا أعمل؟" يمارس اليهود الكثير من الطقوس والعبادات بما فيها من ذبائح وتقدِّمات وصلوات، لكن بسبب العطش بقيَ السؤال: "ماذا أعمل؟" هكذا لن يتمتَّع أحد بالشبع ما لم يقبل السيِّد المسيح نفسه بكونه "الحياة الأبديَّة". هو سرّ الشبع!
لعل الناموسي بسؤاله أراد أن يُسقط السيِّد في فخْ، إذ حسبه أنه سيقدِّم وصايا جديدة مستهينًا بالشريعة الموسويَّة والوصايا العشر، فيتَّهمه بالاستهانة بالشريعة، أو بكسر الناموس.
ثالثًا: لم يعطِ السيِّد المسيح للناموسي فرصة ليتَّهمه ككاسر الناموس، إذ سأله عمَّا جاء في الناموس، مشدِّدًا على الوصايا، معطيًا إيَّاها مفهومًا جديدًا عميقًا. يعرف السيِّد المسيح أن الناموسي قد جاء ليجُرِّبه، ومع هذا لم يصدُّه، بل في رقَّة يمتدحه قائلاً: "بالصواب أجبت". فإنه لا يرُد الشرّ بالشرّ بل يغلبه بالخير، مستخدمًا اللطف لكي يكسبه.
رابعًا: قدَّم لنا آباء الكنيسة الكثير من التفاسير لهذا المثَل "السامري الصالح"، فمن الجانب السلوكي أراد الرب إبراز التزامنا باتِّساع القلب، لنقبل البشريَّة بكل أجناسها كأقرباء، وكما يقول القدِّيس جيروم: [نحن أقرباء، كل البشر أقرباء لبعضهم البعض، إذ لنا أب واحد.] ويرى العلامة أوريجينوس أن القرابة لا تقف عند حدود الدم ولا عند العمل، وإنما تقوم على تنفيذ وصيَّة الحب والرحمة، إذ يقول: [يعلَم يسوع أن هذا الرجل الذي نزل من أورشليم لم يكن قريبًا إلا للذي يريد أن يحفظ الوصايا، والمستعد أن يقدِّم المساعدة. لخَّص هذا بقوله: "فأي هؤلاء الثلاثة تُرى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟" [36] فلا الكاهن ولا اللاوي كان قريبًا له، وإنما بحسب إجابة الناموسي نفسه: "الذي صنع معه الرحمة" هو قريبه. "فقال له يسوع: "اذهب أنت أيضًا واصنع هكذا" [37].] ويقول القدِّيس ساويرس الأنطاكي: [كثيرًا ما تظن عن جهلٍ أن الذي يشترك معك في ديانتك أو جنسيَّتك هو قريبك، أما أنا فأقول إن الذي يشترك في نفس الطبيعة البشريَّة هو قريبك، وكما رأيت الذي كان يرفع رأسه معتزًا بالملابس الكهنوتيَّة والذي كان يفتخر بتسميته لاويًا... لم يفكِّر أن ذاك الذي من بني جنسهما وهو عريان وقد تغطَّى بجراحات لا شفاء لها ومُلقى على الأرض، وقد أوشك أن يموت في لحظة، كان إنسانًا! لكنهما احتقروه كحجرٍ أو قطعةٍ من الخشب المرذول. أما السامري الذي لم يكن يعرف وصايا الناموس، والذي اشتهر بينهم (اليهود) بالغباء والجهل، إذ يقول الحكيم: "الجالسون في جبال السامرة والفلسطينيُّون والشعب الجاهل الساكن في سخيم" (حكمة يشوع 50: 28). هذا السامري عرف الطبيعة البشريَّة وفهم من هو القريب. من كان في نظركم أيها القضاة بعيدًا جدًا قد صار قريبًا جدًا لذاك الذي احتاج إلى علاج. فلا تُقصِر تعريف القريب عند الفكر اليهودي الضعيف الذي يقف عند مقاييس ضيِّقة خاصة بالجنس... إنما كل شخص نبسط عليه روح المحبَّة هو القريب.]
وفي حديث القدِّيس أمبروسيوس عن "التوبة" يرد على أتباع نوفاتيوس الذين رفضوا قبول الراجعين بعد إنكارهم الإيمان، يقول: [السامري الصالح لم يعبُر تاركًا الإنسان الذي ألقاه اللصوص بين حيّ وميِّت، بل ضمَّد جراحاته بزيت وخمر. صبَّ عليه أولاً زيتًا لتلطيف آلامه، وأتكأه على صدره، أي اِحتمل كل خطاياه، هكذا لم يحتقر يسوع الراعي خروفه الضال... لقد جعلت من نفسك إنسانًا غريبًا عنه بكبريائك، إذ اِنتفخت عليه باطلاً من قِبل ذهنك الجسدي وعدم تمسكك بالمسيح الرأس (كو 2: 18-19). لأنك لو كنت قد تمسَّكت بالرأس لما كنتَ تترك ذاك الذي مات المسيح عنه. لو كنت قد تمسَّكت بالرأس لاِهتممت بالجسد كله، واهتممت بالارتباط بين الأعضاء بدون انقسام، ناميًا بالله (كو 2: 19) برباط المحبَّة وخلاص الخطاة. إنك عندما ترفض قبول التوبة، إنما بذلك تقول: لن يدخل في فندقنا جريح، ولا يُشفى أحد في كنيستنا. أننا لا نهتم بالمرضى، فنحن كلنا أصحَّاء، ولسنا في حاجة إلى طبيب، لأنه هو نفسه قال: لا يحتاج الأصحَّاء إلى طبيب بل المرضى.]
هذا عن التفسير السلوكي، أما بالنسبة للتفسير الروحي والرمزي فقد أفاض فيه الآباء، لذلك رأيت تقديمه مختصرًا ما استطعت.
أ. إنسان: يقول القدِّيس ساويرس: [لم يقل مخلِّصنا "أناس كانوا نازلين، بل قال "إنسان كان نازلاً". إن المسألة تخص البشريَّة جمعاء، فبالحقيقة بسبب تعدي آدم للوصيَّة سقطت من مسكن الفردوس العالي المرتفع الهادئ، الذي دُعي بحق "أورشليم"، ومعناها "سلام الله"، إلى أريحا التي هي مدينة في وادٍ منخفضٍ يخنقه الحر.] فقصَّة الساقط بين اللصوص هي قصَّة كل نفس بشريَّة انحدرت من الفردوس خلال آدم الأول، فقد سلام الله ورؤيته، إذ يقال أن "أورشليم" أيضًا تعني "رؤية السلام".
ب. كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا: يقول العلامة أوريجينوس: [حسب تفسير أحد السابقين: الإنسان النازل يمثِّل آدم، وأورشليم تمثِّل الفردوس، وأريحا هي العالم، واللصوص هو القوَّة العدوانيَّة، الكاهن هو الناموس، واللاوي هو الأنبياء، والسامري هو المسيح، الجراحات هي العصيان، والدابة هي جسد المسيح، والفندق المفتوح لكل من يريد الدخول فيه هو الكنيسة، والديناران يمثِّلان الآب والابن، وصاحب الفندق هو رئيس الكنيسة الذي يدبِّرها، ووعد السامري بالعودة هو تصوُّر لمجيء المسيح الثاني.]
هذه الرموز التي قدَّمها العلامة أوريجينوس في القرن الثاني معلنًا أنه قد استقاها عن أحد القدامى، ربَّما معلِّمه الروحي القدِّيس إكليمنضس السكندري أو سابقه القدِّيس بنتينوس، يكشف لنا عن إدراك الكنيسة الأولى للمثل بوجه عام وعن مفهوم أورشليم والتي نزلنا منها متَّجهين نحو أريحا.
تلقَّف القدِّيس أمبروسيوس هذا التفسير ليحدِّثنا في شيء من الإفاضة عن أريحا التي نزلت إليها البشريَّة منحدرة من أورشليم، أي من الفردوس، متَّجهة نحو "العالم"، فإن أريحا هي العالم، فهي مدينة كانت محاطة بأسوار وحواجز لم يَخلُّص منها إلا الذين احتضنتهم راحاب الزانيَّة التي قبلت الجاسوسين بالإيمان وخبَّأتهما على سطح منزلها بين عيدان الكتان.
ج. فوقع بين لصوص: هؤلاء اللصوص يمثِّلون إبليس بجيشه من ملائكة أشرار، أو بإغراءاته إذ يترقَّب النفس التي تخرج من أسوار أورشليم ولو بالفكر إلى لحظات، لكي يقتنصها لحسابه، مهاجمًا إيَّاها بملائكته الأشرار، وناصبًا لها كل أنواع الفخاخ المناسبة لتحطيمها.
v الإنسان الذي ينزل من أورشليم إلى أريحا يقع في أيدي اللصوص، لأنه بإرادته قد نزل... يقول المخلِّص: "جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص" (يو 10: 8)...
ما هي هذه الجروح التي أصابت الإنسان؟ أنها رذائل الخطيَّة.
v سبْي طبيعة الإنسان لم يكن بتغيير المكان، وإنما بتغيير السلوك، فما انحدر إلى خطايا العالم حتى قابله اللصوص، وإذ اِنحرف عن الوصايا السماويَّة تعرَّض للقاء معهم.
اللصوص هم ملائكة الليل والظلمة الذين يغيِّرون شكلهم أحيانًا إلى ملائكة نور (2 كو 11: 14)، ولكن لا يقدرون أن يبقوا هكذا ثابتين (كملائكة نور)، بل يبدأون في تجريدنا من ثياب النعمة الروحيَّة التي نلناها، وهكذا يصيبوننا بجراحات. لأننا إن حفظنا الثوب الذي نلناه بلا دنس لا يمكننا أن نشعر بضربات اللصوص.
اِحذر لئلا تُجرَّد من ثوب الإيمان، فإن هذا قد كان الضربة القاضية العنيفة التي كان يمكن أن تُهلك الجنس البشري كله لولا نزول "السامري" لشفاء الجراحات القاسية.
v يعلِّمنا أن حياة الأهواء في هذا العالم تفصل (البشرية) عن الله، وتسحبها إلى أسفل، وتسبب لها اختناقًا بحرارة الشهوات المُخزية، وتنتج قلقًا وتدني بها إلى الموت.
إذ سقطت البشريَّة هكذا، وانقلبت انجذبت إلى أسفل، انقادت رُويدًا رُويدًا إلى هِوَّة السقوط، هاجمها جمع من الشيَّاطين، فجرَّدها من ثياب الكمال على نحو ما تفعل عصابة من اللصوص، ولم يتركوا لها بقيَّة من قوَّة أو مسحة من الطهارة أو البر أو الحكمة أو أي شيء ممَّا يمثِّل الصورة الإلهيَّة، وهكذا وئدت بجراح الخطايا المختلفة المتكرِّرة، وبالجملة قاتل الشيَّاطين البشريَّة وتركوها بين حيَّة وميِّتة.
هذا بالحقيقة يبيِّن جيِّدًا ما اختصَّ به هذا المثَل من عُمق تدركه بالتأمَّل، لأن من عادة اللصوص والسُرَّاق أن يُحدِثوا أولاً الإصابات والجروح، حتى يجَرِّدوا الجريح بعد ذلك من ملابسه، ليس هناك في أغلب الأحيان ما يدعوهم إلى إحداث إصابة بعد ذلك. ولكن الشيَّاطين، وهم بمثابة اللصوص لا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً، ما لم يرفعوا عنه ثياب الفضائل أولاً، وبعد ذلك يجرحونه بدون شفقة حتى الموت، لأنهم لا يريدون منَّا ملابسنا، بل ما يريدونه بالحقيقة هو خسارتنا وموْتنا، لذلك قال ربَّنا بحكمة: "فعرُّوه وجرحوه".
د. الكاهن واللاوي والسامري: إن كان الكاهن يمثِّل الشريعة واللاوي يمثِّل النبوَّات، فإنه لم يكن ممكنًا للناموس أو الشريعة أو النبوَّات أن تضمد جراحاتنا الخفيَّة، وتردِّنا إلى طبيعتنا التي خلقنا الله عليها، لكن "السامري الصالح" الذي يمثِّل السيِّد المسيح وحده ينزل إلينا، ويحملنا في جسده، مباركًا طبيعتنا فيه، مقدِّما لنا كل شفاءٍ حقيقيٍ يمس تجديد حياتنا.
v الكاهن كما أظن هو الناموس، واللاوي أيضًا يمثِّل الأنبياء، الاثنان ينظران إلى الجريح ويتركانه هناك. تركت العناية الإلهيَّة هذا الرجل بين حيّ وميِّت ليكون تحت اهتمام من هو أقوى من الناموس والأنبياء. إنه "السامري" الذي اِسمه يعني "الحارس"، فإن حارس إسرائيل لا ينعس ولا ينام (مز 121: 4). لكي يساعد هذا الرجل الذي بين حي وميِّت نزل السامري إلى الطريق، لكنه لم ينزل من أورشليم إلى أريحا مثل الكاهن واللاوي، إنما نزل إليه يقصد خلاص هذا المنازع والسهر عليه. فاليهود قالوا له: "إنك سامري وبك شيطان" (يو 8: 48)، وإذ أكَّد لهم أنه ليس به شيطان لم يرد يسوع أن ينكر أنه السامري إذ هو الحارس.
v لم يكن السامري هو أول من جاء، فالذي احتقره الكاهن واللاوي لم يحتقره السامري بدوره. لا تحتقره من أجل جنسه. فإنك إن عرفت تفسير اِسمه تعجب به، فإن اِسمه يعني "حارسًا". هذا الحارس قيل عنه: "الرب يحفظ الصغار" (مز 116: 6)... تُرى من نزل من السماء إلا الذي صعد إلى السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء (يو 3: 13)؟ هذا الذي رأى الإنسان بين حيّ وميِّت، لم يستطع أحد أشقَّائه أن يشفيه... فاقترب منه بقبوله الآلام معنا واقترابه منَّا وسكب رحمته علينا، فصار قريبنا.
v عندما كانت البشريَّة ملقاة على الأرض، وما هي إلا لحظات لتفقد الوعي وتنتهي، رآها الناموسي المعُطَى بواسطة موسى. هذا في الواقع ما تشير إليه بعد ذلك بالكاهن واللآوي أيضًا، لأن الناموسي هو طبيب الكهنوت اللاوي. رآها لكن كان ينقصه النشاط والقوَّة، فلم يستطع أن يجلب لها الشفاء الكامل، ولم يقم البشريَّة التي كانت ملقاة على الأرض... يقول بولس الرسول: "الذي هو رمز للوقت الحاضر الذي فيه تقدَّم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم" (عب 9: 9). "وليس بدم تيوس وعجول، بل بدم نفسه دخل مرَّة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءً أبديًا" (عب 9: 12). لذلك لم يقل ربَّنا: "إن الكاهن واللاوي بعدما رأيا الرجل بين حيّ وميِّت ملقى على الأرض، "جازا عنه"، لكنه قال "فعرض أن كاهنًا نزل في تلك الطريق فرآه وجاز مقابله. وكذلك لاوي أيضًا، إذ صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله" [31-32].
كل منهما لم يتخطَّ الرجل فيتركه جانبًا دون أن يراه؛ بل وقف أمامه ورآه وفكر في شفائه ولمسه، ولما وجد أنه غير قادر على شفائه وقد غلبته خطورة جراحاته أي الأهواء، حينئذ رجع إلى الوراء راكضًا. وهذا هو ما تظهره عبارة: "جاز مقابله".
وأخيرًا يقول: "ولكن سامريًا مسافرًا جاء إليه، ولما رآه تحنَّن. فتقدَّم وضمّد جراحاته، وصبّ عليها زيتًا وخمرًا وأركبه على دابَّته، وأتى به إلى فندق اعتنى به" [33-34].
هنا يدعو المسيح نفسه بحق سامريًا وهو يخاطب ناموسيًا يفتخر في ذاته كثيرًا بالناموس؛ اهتم بأن يبين بقوله أنه ليس بالكاهن ولا اللاوي وعلى وجَّه العموم ليس الذين كانوا يعتقدون أنهم يسلكون حسب وصايا موسى عندهم القدرة. بل هو ذاته الذي أتى لكي يكمل إرادة الناموس مبيِّنًا بالوقائع ذاتها من هو القريب بالحقيقة، وما تنطوي عليه العبارة "تحب قريبك كنفسك" وهو الذي كان اليهود يقولون له شاتمين: "ألسنا نقول حسنًا إنك سامري وبك شيطان" (يو 8: 48)، وهو الذي كانوا يتَّهمونه كثيرًا بتعدِّي الناموس.
وبمعنى آخر لا يرى أحد في تسمية المسيح بالسامري ما هو غير جدير، ولو أنها تبدو بطريقة ما أنها تسمية غير مناسبة لجلاله القدُّوس.
v صلِ من أجلي لكي أرى أورشليم مرَّة أخرى تاركًا بابل... فقد نسيت تحذير الإنجيل لي أن من ينزل من أورشليم يسقط في الحال بين أيدي اللصوص، فيحطِّمونه ويجرحونه ويتركونه للموت. وبالرغم من أن الكاهن واللاوي قد يهملانني، لكن لا يزال يوجد السامري الصالح الذي لما قال له الناس: "إنك سامري وبك شيطان" (يو 8: 48) فنَّد قولهم الخاص بأن به شيطان لكنه لم يدافع عن القول بأنه سامري.
v "سامري" معناه "حارس". فإنه يعرف أنه حارسنا، إذ "حارس إسرائيل لا ينعس ولا ينام " (مز 121: 4)، "وإن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يتعب الحراس" (مز 127: 1). حارسنا هو نفسه خالقنا.
v ليته لا يخف إنسان ما من الهلاك، مهما كان سقوطه، فإن السامري الصالح الذي هو حارس النفوس، أقول أنه لن يجتازه، بل يحنو عليه ويشفيه.
حينما ينهار إنسان تحت ثقل الخطيَّة وتُصاب نفسه بجراحات عميقة لا يحتاج إلى كلمات توبيخ جارحة بالرغم من مسئوليَّته عن هذه الجراحات، لكنه يحتاج من يضمِّد جراحاته أي يستر ضعفاته أمام الآخرين، ولا يكشفها للغير، كما يحتاج إلى الزيت لتلطيف حِدَّة الألم، لا إلى مواد تلهب الجراح، أما الخمر فربَّما يشير إلى التأديب، فيمتزج الزيت بالخمر، أي اللطف بالتأديب، والحنان بالحزم. وربَّما يشير الخمر إلى الفرح، فإن كانت النفس قد انكسرت بالخطيَّة، وفقدت سلامها وتحوَّلت حياة الإنسان إلى دموع، فإن طبيبنا يود أن يرد إلينا "بهجة خلاصنا" من جديد.
v لم يترك السامري الصالح المُلقى بين حيّ وميِّت، لأنه رأى فيه نسمات حياة، فترجَّى شفاءه.
أما يبدو لك الإنسان الساقط في الخطيَّة بين حيّ وميِّت ؟ يستطيع الإيمان أن يجد فيه نسمة حياة!
إن كان الساقط بين حيّ وميِّت صبّ عليه زيتًا وخمرًا، لا تصب خمرًا بلا زيت حتى تكون له راحة مع آلام التطهير. اِتْكئه على صدرك، قدِّمه لصاحب الفندق، واِدفع الدينارين لأجل شفائه وكن له قريبًا!
v لهذا الطبيب أدويته الكثيرة، فقد اعتاد أن يهب بها الشفاء... يضمِّد الجراحات بوصايا حازمة ويبعث الدفء عندما يغفر الخطايا. وينخس القلب كما تفعل الخمر، عندما يعلن دينونته. وأركبه على دابَّته؛ تأمَّل كيف يُصعدك (فيه) إذ حمل خطايانا وتألَّم لأجلنا (إش 53: 4). حمل الراعي أيضًا الخروف الضال على منكبيْه (لو 15: 5).
v كان أيضًا يسكب النبيذ، أي الكلمة التي تعلِّم، وتضمِّد القروح. وقد أعطانا فعلاً لنشرب نبيذ التوبة، كما يقول النبي في المزامير: "أريت شعبك عُسرًا، سقيتنا خمر الترنُّح" (مز 60: 3). ولم نكن بالحقيقة نستطيع تحمله صرفًا، لأن خطورة الجراح الخبيثة وحالتها التي لا شفاء منها كانت لا تتحمَّل مثل هذا اللذع، ولذلك خلطه بالزيت.
كان أيضًا يأكل مع العشَّارين والخطاة، وكان يقول للفرِّيسيِّين الذين كانوا ينحون باللائمة، يتَّهمونه وينتقدون: "فاذهبوا وتعلَّموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة" (مت 9: 13).
وقد حمل على دابَّته من كان موضوع مثل هذا الاهتمام والعناية.
v النفس التي سقطت بين لصوص تُحمل على كتفيْ المسيح.
v الفندق هو الكنيسة التي تستقبل جميع الناس، ولا ترفض أن تسند أحدًا، إذ يدعو يسوع الكل:
"تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 11: 28)
v الفندق هو الكنيسة التي أصبحت تستقبل وتأوي كل الناس، فإننا لم نعد نسمع حسب ضيق الظل الناموسي والعبادة الرمزيَّة: "لا يدخل عمُّوني ولا موآبي في جماعة الرب" (تث 23: 3)، "في ذلك اليوم قُرئ في سفر موسى في آذان الشعب ووجد مكتوبًا فيه أن عمُّونيًّا وموآبيًّا لا يدخل في جماعة الله إلى الأبد" (نحميا 13: 1) بل نسمع : "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 28: 19)، وأيضًا "بل في كل أمة الذي يتَّقيه ويصنع البرّ مقبول عنده" (أع 10: 35).
وبعد أن أتى به إلى الفندق، "اعتنى به" [34]. أي بعد أن تشكَّلت الكنيسة من اجتماع الأمم التي كانت تموت في عبادة الآلهة العديدة، أصبح المسيح نفسه هو الساكن فيها ويسير، كما هو مكتوب، ويمنح كل نعمة روحيَّة.
"فإنكم أنتم هيكل الله كما قال الله أنِّي سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا" (2 كو 6: 16).
v الفندق هو المكان الذي يحلو لمن تعبوا من جراء السفر الطويل الاختلاء فيه. إذن صحبنا الرب إلى الفندق، إذ هو يرفع البائس من المزبلة، ويقيم المسكين من التراب (مز 122: 7).
كان يليق بهذا الصالح وقد أدخلنا إلى كنيسته بكونها فندقه الذي فيه نستريح، أن يتركنا حسب الجسد ويصعد إلى السماوات يُعد لنا موضعًا. لكنه لا يتركنا في عوز، إنما ترك دينارين. ما هما هذان الديناران؟
في دراستنا السابقة لأسفار العهدين القديم والجديد رأينا أن رقم 2 عند القدِّيس أغسطينوس يشير إلى "الحب"، بكونه قد أعلن خلال وصيَّتين: حب الله وحب الناس، ولأنه يجعل الاثنين واحدًا. وكأن السيِّد المسيح ترك لنا في كنيسته كنز "الحب الإلهي"، به نحب الله والناس.
ويرى بعض الآباء في الدينارين اللذين تركهما السامري لصاحب الفندق رمزًا للتلاميذ والرسل الذين يعملون في الكنيسة لحساب السيِّد المسيح، والكتاب المقدَّس بعهديه.
v بعدما قاد الصريع إلى الفندق لم يتركه حالاً، بل بقى معه يومًا كاملاً يضمِّد جراحاته، ليس في النهار فحسب بل وبالليل أيضًا مكرِّس له إرادته وإمكانيَّته. وفي الغد إذ كان يستعد للرحيل قدَّم من ماله، "أي من أعماقه الخاصة" دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق، الذي هو بلا شك ملاك الكنيسة الملتزم بالرعاية... أما الديناران فيمثِّلان معرفة الآب والابن على ما اعتقد، قدَّم له سرّ الآب في الابن والابن في الآب.
v أعطي لصاحب الفندق دينارين، "وفي الغد لما مضى أخرج دينارين، وأعطاهما لصاحب الفندق" [35]، ويُفهم من هذا أنه يرمز للرسل وكذلك الرعاة والمعلِّمين الذين خلفوهم، حينما صعد إلى السماء بعد أن خوَّلهم الأمر بالاهتمام بصفة خاصة بالمريض. وأضاف قائلاً: "اعتنِ به مهما أنفقْت أكثر فعند رجوعي أوفيك" [35].
ويسمَّى العهدين القديم والجديد دينارين. الأول مُعطى بواسطة ناموس موسى والأنبياء، والثاني بواسطة الأناجيل وتعاليم الرسل، وهما كلاهما ملك الله الواحد، كالدينارين يحملان صورة واحدة لهذا الملك العلي، ويطبعان نفس الصورة الملكيَّة في قلوبنا ويثبِّتانها بالكلمات المقدَّسة، لأن الناطق بها هو بالحقيقة أيضًا روح واحد.
v ما هما هذان الديناران؟ ربَّما كانا العهدين اللذين خُتما بختم الآب الأبدي وبثمنهما نُشفى من جراحتنا، إذ اُشترينا بثمن (1 بط 1: 19)...
صاحب الفندق هو الذي قال: "أرسلني المسيح لأبشِّر" (1 كو 1: 17).
أصحاب الفندق هم الذين قيل لهم: "أذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يُدَن" (مر 16: 15-16).
أخيرًا يرى القدِّيس إيريناؤس أن الدينارين يشيران إلى الروح القدس الذي وُهب للكنيسة لكي ينقش على النفس التي سبق فجرحها اللصوص كتابة الآب والابن يكونها عُمْلة الله وديناريه.
|