رسالة الأحد الثالث للصوم

خلّص يا رب شعبك وبارك ميراثك
ستخين: إليك يا ربّ أصرخ إلهي
فصل من رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى العبرانيين
يا أخوة إذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات يسوع ابن الله فلنتمسك بالاعتراف، لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لأهوانا بل مجرَّب في كل شيءٍ مثلنا ما خلا الخطية، فلنُقبِل إذن بثقة إلى عرش النعمة لننال رحمةً ونجد ثقةً للإغاثة في أوانها، فإن كل رئيس كهنة مُتَّخِذٍ من الناس يقام لأجل الناس فيما هو لله لكي ليُقَرِّب تقادم وذبائح عن الخطايا، في امكانه أن يُشفق على الذين يجهلون ويُضلّون لكونه هو أيضاً متلبساً بالضعف، ولهذا يجب عليه أن يُقرِّب عن الخطايا لأجل نفسه كما يقرب لأجل الشعب، وليس أحد يأخذ لنفسه الكرامة بل مَن دعاه الله كما دعا هارون، كذلك المسيح لم يُمَجّد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذي قال له أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. كما قال أيضاً في موضع آخر أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق
الأحد الثالث من الصوم
فصل شريف من بشارة القديس مرقس
قال الرب مَن أراد أن يتبعني فليفكر بنفسه ويحمل صليبهُ ويتبعني، لأن من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها ومَن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها، فإنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلهُ وخسر نفسهُ أم ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه، لأن من يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطيء يستحي به ابن البشر متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القديسين، وقال لهم الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة
تفسير الانجيل
يرى بعض الدارسين أن إنجيل معلمنا مرقس يمكن تقسيمه إلى جزئين رئيسيين متكاملين، القسم الأول يبدأ بالسفر حتى ما قبل سؤال السيد المسيح تلاميذه عما يقول الناس عنه، والثاني يبدأ بهذا السؤال حتى نهاية السفر. القسم الأول يعلن عن شخص السيد المسيح العامل والمعلم الذي يخدم البشرية بالحب والحنان وقد رافقه ظل الصليب، أما القسم الثاني فتبدأ المرحلة العملية لحمل الصليب، يبدأها بالكشف عن ذاته بالقدر الذي يسندهم حتى يتم الصليب، فيتمجد بحبه العملي، وعندئذ يكشف لهم بهاء مجده خلال قيامته وظهوراته وصعوده خاصة بإرسال روحه القدوس الذي يخبرهم بكل شيء.
إن كان بطرس الرسول استطاع بإعلان إلهي أن يتعرف على "يسوع" أنه المسيح، وهو في الطريق في قرى قيصرية فيلبس [27]، حيث مركز عبادة البعل والعبادات الوثنية الإغريقية مع السلطة الرومانية، لكن مع هذا لم يكن ممكنًا لبطرس أن يتفهم المسيح كفادٍ يُصلب عن البشرية ويقوم ليقيمها معه، إذ كان الفكر اليهودي يرفض هذا تمامًا، لهذا أسرع السيد المسيح يصحح المفهوم.
يمكننا تلخيص الاعتقاد اليهودي بخصوص مجيء المسيا في النقاط التالية:
أ. يسبق مجيء المسيح حلول ضيقة شديدة على العالم يسبب له خرابًا، كما تحل الحروب في العالم والإضطرابات وسفك للدماء... هذه كلها أشبه بالمخاض الذي يحل بالمرأة عندما تلد طفلاً.
ب. وسط هذا الخراب الذي يمس حياة الإنسان والحيوان والطير حتى الأسماك يظهر إيليا النبي ليهيئ الطريق للمسيح. ويعتبر مجيء إيليا أمرًا أساسيًا، حتى أن اليهود في احتفالهم للفصح كانوا يتركون كرسيًا خاليًا يسمونه "كرسي إيليا"، إذ يتوقعون دخوله في أحد أعياد الفصح فجأة.
ج. يظهر المسيا نفسه، ليس مولودًا من بشر، لكنه يأتي رجلاً جبارًا يقدم من السماء في كمال الرجولة والنضج ليخلص شعبه.
د. بمجيئه يهيج الملوك ضده ويقومون بثورة عليه، ويدبرون حربًا ينهزمون فيها ويظهر فيها المسيح كأعظم غالب في البشرية يبيد أعداءه.
ه. إذ تُعلن غلبته على الأمم يقوم بتجديد أورشليم وتطهيرها، أو تنزل أورشليم جديدة بأعمدة جديدة؛ فيها يجتمع اليهود من كل العالم كسادة للبشرية، إذ تنحني البقية الباقية من الأمم لهم في مذلة، ويعيش اليهود بفرح شديد، حتى أن موتاهم يقومون ليشاركوهم هذا الفرح الجديد. بهذا يرى اليهود بفكرهم المادي المتعصب أنه يحل السلام والبرّ الأبديان في العالم.
هذا الفكر اليهودي لن يقبل مطلقًا سرّ الصليب ولا انفتاح باب الإيمان للأمم، لهذا انتهر بطرس سيده عندما تحدث عن الألم والصليب.
يعلق القديس أمبروسيوس على كلمات السيد المسيح لتلاميذه بخصوص آلامه وصلبه وقيامته، قائلاً: [لقد عرف مقدار الجهد الذي يحتاج إليه التلاميذ ليؤمنوا بآلامه وقيامته، لذلك استحسن أن يقوم بنفسه بتأكيد آلامه وقيامته لهم، وليكون ذلك بداية وسببًا لميلاد الإيمان فيهم.]
ويلاحظ هنا أن الإنجيلي يخبرنا بأن السيد علّم تلاميذه التزامه أن يتألم كثيرًا ويرفض ويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم، لكنه لم يقل لنا تفاصيل الحديث، كيف أكدّ لهم السيد الحاجة إلى الألم والصلب والقيامة. هل حدثهم عن رموز العهد القديم ونبواته، أم قدم لهم الفهم اللاهوتي لعمله الخلاصي؟
على أي الأحوال كشف لهم السيد المسيح أنه لم يكن ممكنًا أن يتحقق الصلاح بموت أحدٍ إلا ابن الإنسان، القادر أن يقتل الموت نفسه ويقوم. يقول القديس أمبروسيوس: [لم يبلغ أحد إلى العظمة التي تؤهله لرفع خطايا العالم كله، لا أخنوخ ولا إبراهيم ولا إسحق الذي قدم نفسه للموت لكنه لا يقدر أن يغفر الخطايا. من هو ذاك الذي بموته تموت كل الخطايا؟ لا يمكن لأحد من الشعب ولا من القيادات أن يقوم بهذا، إنما اختار الآب الابن، ابن الله الذي هو فوق الجميع، أن يقدم نفسه عن الجميع. وكان هو نفسه يحب أن يموت، إذ هو أقوى من الموت، وقادر أن يخلص الآخرين. الذي قام من بين الأموات بلا عون، غلب الموت دون مساندة من إنسانٍ أو خليقةٍ، قام غالبًا الموت، نازعًا الشهوات، إذ لم يعرف قيود الموت.
انتهر السيد المسيح بطرس، لأنه لم يقبل صلب السيد، بل دعاه هو وإخوته لشركة الصليب معه، إذ قال لهم: "من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. فإن من أراد أن يخلص نفسه يهلكه، ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟ لأن من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطيء فإن ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين" [34-38].
أولاً: سألهم أن يحملوا معه الصليب بإنكار ذواتهم... وإنكار الذات إنما يعني أن لا يتعاطف الإنسان مع ذاته، فلا يرتبك لمستقبله ولا يخشى المرض أو الضيق أو الموت، إنما يكون جاحدًا لنفسه عنيفًا مع الأنا، غير مترف في ملذات جسده. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [لم يقل "يعتزل الإنسان ذاته" بل ما هو أكثر "ينكر نفسه"، كما لو كان ليس هناك ما يربطه بذاته، فإنه يواجه الخطر ويتطلع إليه كما لو أن الذي يواجهه آخر غيره، هذا بالحقيقة هو اعتزال الإنسان ذاته... أما إنكار الإنسان ذاته فقد أظهره بقوله "يحمل صليبه"، ويعني به أنه يقبل حتى الموت المشين.]
إننا ننكر أنفسنا متى تجنبنا ما هو قديم فينا مجاهدين لننال على الدوام ما هو جديد حتى نبلغ إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13).
يقول القديس أغسطينوس: [إن كان الإنسان بحبه لذاته يصير مفقودًا، فبالتأكيد بإنكاره ذاته يوجد!... لينسحب الإنسان من ذاته لا لأمور زمنية وإنما لكي يلتصق بالله.]
ثانيًا: إذ حث تلاميذه على إنكار الذات وحمل الصليب قدم لهم المكافأة، فمن يعترف به بحياته وحمله الصليب يتقبل عند مجيء السيد المسيح الأخير شركة أمجاده، أما من يستحي بصليبه هنا يرفض وصيته في هذا العالم فسيستحي منه ابن الإنسان في يوم مجده العظيم، ويحسبه كمن هو غير معروف لديه، وكما يقول القديس جيروم: [الله لا يعرف الشرير، إنما يعرف البار.]
وقد قال السيد المسيح في وصفه لمجيئه الأخير: "متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين" وكما يقول القديس أمبروسيوس: [ليظهر أن عظمة الآب ومجده هما ذات عظمة الابن ومجده... تأتي الملائكة في خضوع، أما هو فيأتي ممجدًا! هم يأتون كتابعين، أما هو فيجلس على عرشه! هم يقفون، وهو يجلس! إن استعرنا لغة المعاملات اليومية من الحياة البشرية نقول أنه القاضي وهم العاملون في المحكمة.
"وقال لهم: الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة" [1].
جاء هذا الوعد كتتمة لحديث السيد المسيح عن حمل الصليب واهتمام الإنسان بخلاص نفسه والتمتع بمجد ملكوت الله عند مجيء ابن الإنسان. الآن يتساءل البعض: كيف تحقق هذا الوعد؟ هل وُجد من معاصري السيد المسيح من لم يذق الموت حتى يرى ملكوت الله آتيًا بقوة؟
أولاً: يرى البعض أن هذا الوعد قد تحقق بتمتع ثلاثة من التلاميذ بتجلي السيد المسيح، خاصة وأن الحديث عن التجلي جاء بعد الوعد مباشرة. فالتجلي في حقيقته تمتع بمجد السيد المسيح وبهائه الإلهي بالقدر الذي احتمل التلاميذ رؤيته. يقول القديس أمبروسيوس: [عاين بطرس ويوحنا ويعقوب مجد القيامة فلم يعرفوا الموت.]
ثانيًا: يرى البعض أن "ملكوت الله" الذي أتى بقوة إنما الكرازة بالإنجيل وسط الأمم، فقد دعيت كنيسة العهد الجديد "ملكوت الله". وقد شاهد بعض التلاميذ هذا المجد العظيم وهم بعد في الجسد، إذ تمتعوا بيوم الخمسين حين حّل الروح القدس في العلية، ونظروا الهيكل القديم قد تحطم بينما انطلقت الكرازة إلى كثير من عواصم العالم الوثني. رأوا ملكوت الله معلنًا في حياة الناس ضد مجد العالم الزائل.
ثالثًا: يرى آخرون أن هذا الوعد الإلهي قائم على الدوام، يتمتع به المؤمنون في كل جيل، حين تدخل نفوسهم إلى بهاء مجد الله الداخلي، ويُعلن الملكوت فيهم دون أن يذوقوا موت الخطية أو يغلبهم إبليس (الموت). يقول القديس يوحنا سابا: [طوبى للنفس التي جمعت نفسها من الطياشة الخارجة عنها، ودخلت داخلها ونظرت ربنا وهو متكئ على كرسيه الذي هو العقل، وقبلت منه وصية جديدة أعني الحب الروحي الذي هو كمال الناموس.]
يقدم لنا القديس أمبروسيوس ذات المعنى حين يعلن أن الإنسان في ضعفه يحتاج لا أن يتمتع بوعد أبدي فحسب وإنما يذوق عربون هذا الوعد هنا في الحياة الحاضرة. فما وعد به السيد هنا إنما يقدمه لكل إنسان يكون قائمًا معه، أي يتمتع بحضرة الرب والشركة معه، فلا يذوق موت الروح، بل ينعم بقوة الملكوت الإلهي في حياته الحاضرة هنا كعربون للملكوت الأبدي، فمن كلماته:
[بينما يرتفع الرب بالروح يشير إليها بمكافأة الفضيلة، وبينما يلوح لنا عن الفائدة التي نجنيها من احتقار أمور هذا العالم يؤازر ضعفنا البشري بتقديم مكافأة حتى في هذه الحياة.
بالتأكيد شاق عليك جدًا أن تحمل الصليب، وتعرض حياتك للأخطار، وجسدك للموت، وتتخلى عن ذاتك، لتنال ما لا تملكه هنا. صعب على البشر أن يعيشوا على الرجاء وحده، فيتعرضوا للمخاطر من أجل التطلع إلى بركات الحياة المقبلة، متخلين عن الخيرات الحاضرة، لذلك إذ لم يشأ الرب الحنون الطيب أن يسقط أحد تحت نير اليأس أو القلق... يسند الضعف بالخيرات الحاضرة، ويسند القوة بالخيرات المقبلة... (بمعنى يعيننا هنا بعربون الملكوت الداخلي، ويكافئنا في الأبدية بكمال مجد الملكوت).
إن كنا نريد ألا نهاب الموت فلنقف حيث المسيح، ليقول لنا نحن أيضًا: الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت... فمن نالوا الشركة مع المسيح لا يذوقون الموت. سيموت الجسد لكن تبقى الروح حية.
ما معنى يذوق الموت؟ يوجد أناس يذوقون خبز الدموع (مز 126: 2) وآخرون يأكلون من سموم التنين، أما نحن فلنا الخبز الحقيقي الذي نزل من السماء (يو 16: 51). من يحفظ كلام الله لا يذوق هذا الخبز (الموت)!...
من هو الإنسان الذي لا يذوق الموت إن كانت لا قيامة إلا بعد الموت؟... يوجد أناس أموات وهم يعيشون هنا، كما يوجد أحياء حتى وإن ماتوا، إذ قيل "وإن مات يتكلم بعد" (1 تي 5: 6). كما قيل: ليبتلعهم الموت ولينحدروا إلى الهاوية (مز 55: 16). الذين ينحدرون أحياء في الهاوية هم الخطاة الذين تحدرهم الخطية إلى الهاوية، أما الأحياء الذين لا تنتهي حياتهم: "إله إسحق وإله يعقوب، ليس الله إله أموات بل إله أحياء" (مت 22: 32).
لم يمت بطرس إذ أبواب الجحيم لن تقوى عليه، ولا مات يعقوب ويوحنا ابنا الرعد اللذان عاينا المجد الأسني، فلم تستطيع أمور هذا العالم أن تخضعهما بل سحقاها تحت أقدامهما. لتكن أنت أيضًا كبطرس الخادم الأمين المسالم، فتفتح أبواب الكنيسة وتهرب من أبواب الموت. كن كابني الرعد، كيف؟ عندما لا تتأمل الأرضيات، بل تسند رأسك على صدر المسيح، عندما لا تتأثر بأمور هذه الحياة بل بالعكس تسيطر عليها بقوة الروح التي لك. لتتزلزل الأرض أمامك ولا تمسك بك. لتسيطر على الجسد بقوة الروح، فتقمعه وتستعبده. ستكون ابن الرعد إن كنت ابن الكنيسة، يقول لك المسيح من فوق خشبة الصليب: "هوذا أمك". |