رسالة الأحد الرابع من الصوم

الرب يُعطي قوة لشعبه
ستيخن: قدّموا للرب يا أبناء الله
فصل من رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى العبرانيين
يا أخوة إن الله لما وعد إبراهيم إذ لم يمكن أن يُقسم بما هو أعظم منه أقسم بنفسه، قائلاً لأباركنك بركةً وأكثرنك تكثيراً، وذاك إذ تأَنَّى نال الموعد، وإنما الناس يقسمون بما هو أعظم منهم وتنقضي كل مشاجرة بينهم بالقسم للتثبيت، فلذلك لما شاء الله أن يزيد ورثة الموعد بياناً لعدم تحوُّل عزمه توسّط بقسم، حتى نحصُل بأمرين لا يتحولان ولا يمكن أن يُخلف الله فيهما على تعزيةٍ قويةٍ نحن الذين التجأنا إلى التمسك بالرجاءِ الموضوع أمامنا، الذي هو لنا كمرساةٍ للنفس أمينة راسخة تدخل إلى داخل الحجاب، حيث دخل يسوع كسابق لنا وقد صار على رتبة ملكيصادق رئيس كهنة إلى الأبد
فصل شريف من بشارة القديس مرقس الانجيلي البشير التلميذ الطاهر
في ذلك الزمان، دنا إِلى يسوعَ إنسانٌ وسجدَ له قائلاً: يا معلم، قد أَتيتُك بابني به روحٌ أبكم. وحيثما أخذه يصرعهُ فيزبد ويصرفُ بأَسنانه وييبس. وقد سألت لتلاميذكَ أَن يُخرجوه فلم يقدروا. فأَجابه قائلاً: أيها الجيلُ الغير المؤمن، إِلى متى أَكون عندكم وحتى متى أَحتملكم؟ هلمَّ به إليَّ. فأَتوا به. فلمَّا رآه للوقت صرعهُ الروح، فسقطَ على الأرضِ يتمرغُ ويزبد. فسألَ أَباه: منذُ كمْ مِنَ الزمانِ أَصابه هذا؟ فقالَ منذُ صِباه. وكثيراً ما أَلقاهُ في النارِ وفي المياه ليُهلكُه، لكن إنِ استطعتَ شيئاً فتحنَّن علينا وأَغثنا. فقال له يسوع: إِنِ استطعت أَن تؤمنَ فكلُ شيءٍ ممكنٌ للمؤمن. فصاحَ أَبو الصبي لساعته بدموعٍ وقال: إِني أومن يا رب، فأغث عدم إيماني. فلما رأى يسوع أَن الجمعَ يتبادرونَ إليه، انتهرَ الروحَ النجسَ قائلاً له: أَيها الروحُ الأصمُ الأبكم، أَنا آمركَ أن اخُرجْ منه ولا تَعُدْ إليه من بعد. فصرخَ وخبطهُ كثيراً وخرجَ منه، فصارَ كالميتِ حتى قالَ كثيرون إِنه قد مات. فأخذ يسوعُ بيده وأَنهضهُ فقام. ولما دخلَ البيت سأَله تلاميذُه على انفراد: لماذا لمْ نستطعْ نحنُ أَن نُخرجه؟ فقالَ لهم: إِن هذا الجنس لا يمكنُ أن يخرجَ بشيءٍ إِلا بالصلاةِ والصوم. ولما خرجوا من هناك، اجتازوا في الجليل، ولم يكنْ يريدُ أَن يدري أَحد. وكان يعلّمُ تلاميذه ويقولُ لهم: إِن ابنَ الإنسانِ سَيُسلمُ إِلى أَيدي الناس فيقتلونَهُ، وبعد أَن يُقتَلَ يقومُ في اليومِ الثالث
تفسير الانجيل
بينما صعد السيد المسيح بثلاثة من تلاميذه إلى جبلٍ عالٍ يعلن لهم ملكوته آتيًا بقوة، نجد بعضًا من التلاميذ يقفون في عجز أمام إخراج روح نجس أخرس، حتى جاء السيد يكشف لهم عن الحاجة إلى الصوم والصلاة كطريق للصراع ضد إبليس والغلبة عليه بالرب واهب النصرة. وكأن الملكوت ليس مجرد رؤيا يتمتع بها التلاميذ على جبل تابور، لكنه أيضًا ثمرة جهاد روحي ضد عدو الخير بالرب الغالب.
ويلاحظ في هذا العمل الآتي:
أولاً: بينما كان بطرس على الجبل يشتهي البقاء هناك [5] ينعم بمجد السيد المسيح ويتمتع بالرؤيا السماوية إذا بالسيد ينزل به مع التلميذين الآخرين ليروا جمعًا كثيرًا حول التلاميذ وكتبة يحاورونهم [14]. أما علة الحوار فهو عجز التلاميذ عن إخراج روح نجس أخرس من إنسان معذب منذ صباه [21].
ما أجمل أن ينفرد المؤمن بسيده لينعم بالتأملات الروحية والتعزيات السماوية في مخدعه كما على جبل تابور، حتى يشتهي لو بقى عمره كله متأملاً بلا انقطاع، ورؤيا سماوية بلا توقف. لكننا مادمنا في الجسد يلزمنا ان ننزل إلى الميدان للعمل أيضُا من أجل كل نفس معذبة؛ فلا عجب إن رأينا حتى كبار النساك والمتوحدين يهتمون بخلاص النفوس. يقول القديس المتوحد يوحنا سابا: [مرذول قدام الله من يبغض الخاطي.]
الخدمة الروحية هي جزء لا يتجزأ من حياة المؤمن، أيا كان عمله في الكنيسة أو وضعه، سواء كان كاهنًا أو راهبًا أو واحدًا من أفراد الشعب؛ وإن اختلفت الوسائل في ممارسة هذه الخدمة الروحية!
ثانيًا: يقول الإنجيلي: "رأى جمعًا كثيرًا حولهم وكتبه يحاورونهم" [14]. هذا الوصف الإنجيلي لا يمثل لحظة معينة من الزمن، إنما يسجل لنا صورة لا تنقطع، فعلى الدوام يتطلع السيد المسيح ليرى جمعًا كثيرًا حول تلاميذه يشتاقون بالبساطة أن يتمتعوا بعطية المسيح لهم، كما يرى أيضًا كتبة مقاومين يحاورونهم، فلا يقف السيد مكتوف الأيدي، إنما يهب كنيسته على الدوام أن تُشبع الجمع من عطايا سيدها، وأن تقف بثبات أمام مقاوميها.
ليتنا لا نضطرب إذ نشعر بالمسئولية الملقاة على عاتق الكنيسة من جهة جموع البشرية المتعطشة والجائعة تطلب ارتواءً وشعبًا، ومن وجهة المقاومين للحق بكل طريقة، فإن عريس الكنيسة حال في وسطها يشبع الجائعين ويبكم المقاومين. لهذا يترنم المرتل قائلاً: "الله في وسطها فلن تتزعزع" (مز 46: 5)، كما يوصينا السيد نفسه، "فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، أنكم تُعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت 10: 19-20).
ثالثًا: وبخ السيد المسيح تلاميذه لعجزهم عن إخراج الروح النجس، قائلاً: "أيها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟" [19]. وبخهم على عدم إيمانهم وقام هو نفسه بالعمل. هو المسئول عن الكنيسة بكونها عروسه يوبخ خدامها عن كل تقصير في إيمانهم أو عملهم ويقوم هو بالعمل.
لنعرض على ربنا يسوع كل أعمالنا لكي وإن وبخنا على ضعفاتنا لكنه يكمل كل نقص فينا.
رابعًا: إذ وبخ تلاميذه طلب تقديم الابن المُصاب بروح شرير، وإذ رأى السيد "للوقت صرعه الروح فوقع على الأرض يتمرغ ويُزبد" [20]. لماذا سمح للشيطان أن يصرعه؟ لا يحتمل السيد أن يرى إنسانًا يتعذب، لكنه قد سمح لهذا المسكين أن يتألم إلى حين، لكي يدفع أباه للإيمان كما قال الذهبي الفم، فقد قال الأب: "إن كنت تستطيع شيئًا فتحنن علينا وأعنا" [22]. أجاب السيد بأن مفتاح الشفاء في أيدي الإنسان إن آمن، إذ قال له: "إن كنت تستطيع أن تؤمن، كل شيء مستطاع للمؤمن" [23]. في إيمان مصحوب بتواضع صرخ الأب بدموع: "أومن يا سيد، فأعن عدم إيماني" [24]. كأن السيد المسيح سمح للابن أن يتألم قليلاً ليبرز إيمان أبيه، ويدفعه بالأكثر إلى التواضع، طالبًا أن يعين الرب عدم إيمانه، وليعلن أيضًا سلطان الإنسان بالإيمان.
ولعل السيد المسيح سمح أيضًا بذلك لكي يكشف عن قسوة إبليس وجنوده، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [سمح للابن أن يهيج لكي نعرف شر إبليس الذي يود قتله لو لم ينقذه الرب]. ولذات السبب سأل السيد والد الشخص: "كم من الزمان منذ أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه، وكثيرًا ما ألقاه في النار وفي الماء ليهلكه" [21-22]. فإن عدو الخير لا يرحم طفلاً ولا شيخًا، ولا رجلاً ولا امرأة، بل يشتاق أن يدفع بالكل إلى نار الشهوات، أو يسحبهم إلى تيارات مياه العالم ليهلكهم. يحاربنا على الدوام بالمتناقضات، بالنار والماء، إن هربنا من فخ يقيم آخر. على أي الأحوال إن كان الشيطان يدفعنا للنار والماء المهلكين، فإن ربنا يسوع يقدم لنا روحه القدوس الناري خلال المعمودية ليقتل النار الشريرة بنار إلهية، ويفسد مياه العدو بالأردن المقدس!
خامسًا: عجيبة هي محبة السيد المسيح، ففي وسط أعماله الفائقة يبرز فضائل الآخرين مهما بدت قليلة أو تافهة. فإن كان قد شفى الولد، لكنه أبرز حب أبيه له، وإيمانه، وأيضًا تواضعه. أقول ليت لنا قلب هذا الأب نحو كل نفس معذبة فلا نستريح حتى نقدمها بروح الإيمان المتواضع وحده والمملوء حبًا لذاك القادر أن يخلصها. يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [من يربط نفسه بقريبه برباط الحب يكون له ملحًا، ويكون في سلام مع أخيه.]
سادسًا: هذا الأب الذي يئن بدموع ويصرخ لإنقاذ ابنه يمثل نفس كل مؤمن التقى مع الرب وعرف خلاصه العجيب فلا يحتمل عذاب النفوس الجاحدة التي سقطت تحت أسر عدو الخير منذ الصبا، إذ جاءت إلى العالم منذ البداية تحمل الخطية الجدية فتقول مع المرتل: بالآثام حبل بيّ، وبالخطايا ولدتني أمي. ولعل هذا الابن يشير إلى الأمم الذين عاشوا منذ طفولتهم تحت سلطان عدو الخير خلال الرجاسات الوثنية.
سابعًا: يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على عبارة: "فصار كميت، حتى قال كثيرون أنه مات" [26] بقوله: [من يتحرر من سلطان الروح الشرير يُحسب كميت، لأنه كان خاضعًا للشهوات الجسدية والآن يميت في داخله هذه الحياة الجسدانية ويظهر للعالم كميت. الذين لا يعرفون كيف يعيشون حسب الروح يظنون أن من لا يسلك بالشهوات الجسدية ميت تمامًا.] هذه هي نظرة العالم إلى يومنا هذا نحو الروحيين، إذ يحسبونهم محرومين من متعة الحياة وأموات!
ثامنًا: إذ دخل السيد المسيح بيتًا سأله تلاميذه على إنفراد: لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟ فقال لهم: "هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم" [29]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد خشوا لئلا يكونوا قد فقدوا العطية التي وُهبت لهم، إذ كانوا قد نالوا سلطانًا على الأرواح النجسة.]
حقًا لقد تمتع التلاميذ بالسلطان، لكن يلزمهم إضرام الموهبة المجانية بالحياة التقوية بالصلاة مع الصوم، للتمتع بشركة عميقة مع الله في ابنه.
يحدثنا القديس يوحنا سابا عن فاعلية الصلاة، قائلاً: [مفاتيح الخزائن موضوعة في أيديكم لكي تأخذوا وتعطوا، حتى تحيوا آخرين وأيضًا]، [قدّس فراشك بالصلاة ورفرفة الروح القدس عليك، فتفوح رائحة أعضائك مثل الطيب.] كما يحدثنا أيضًا عن الصوم باعتدال: [لا تملأ بطنك كثيرًا لئلا يعذبك الزنا، ولا تضعف جسدك لئلا يفرح مبغضوك. أمسك طقس الاعتدال، وأنت تسلك في الطريق الملوكي، وبغير خوف يكون مسيرك |