الفصل الرسائلي لأحد الشعانين

مُباركٌ الآتي باسم الرب
ستيخن: اعترفوا للرب فإنه صالح وإن إلى الأبد رحمته
رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل فليبي
يا أخوة افرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً افرحوا، وليظهر حلمكم لجميع الناس. فإن الرب قريب، لا تهتموا في شيءٍ. بل في كل شيءٍ فلتكن طلباتكم معلومة لدى الله بالصلاة والتضرُّع مع الشكر، وليحفظ سلام الله الذي يفوق كل عقلٍ قلوبكم وبصائركم في يسوع المسيح، وبعد أيها الأخوة مهما يكن من حق ومهما يمن من عفاف ومهما يكن من عدل ومهما يكن من طهارة ومهما يكن من صفة محببة ومهما يكن من حُسن صيت إن تكن فضيلةٍ وإن يكن مَدْحٌ ففي هذه افتكروا، وما تعلّمتموه وتسلّمتموه وسمعتموه ورأيتموه فيَّ فبهذا اعملوا وإله السلام يكون معكم
الفصل الإنجيلي لأحد الشعانين
فصل شريف من بشارة القديس يوحنا البشير
وقبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الذي مات فأقامه يسوع من الأموات. فصنعوا له هناك عشاءً وكانت مرثا تخدم وكان لعازر أحد المتكئين معه، فأخذت مريم رِطلَ طيب من ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها. فامتلأ البيت من رائحة الطيب، فقال أحد تلاميذه يهوذا بن سمعان الإسخريوطي الذي كان مزمعاً أن يسلمه لما لم يُبَعْ هذا الطيب بثلاث مئة دينار ويُعطَ للمساكين، وإنما قال هذا لا اهتماماً منه بالمساكين بل لأنه كان سارقاً وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يلقى به، فقال يسوع دعها. إنما حفظتهُ ليوم دفني. فإن المساكين هم عندكم في كل حين وأما أنا فلست عندكم في كل حين، وعلم جمع كثير من اليهود أن يسوع هناك فجاءُوا لا من أجل يسوع فقط بل لينظروا أيضاً لعازر الذي أقامه من بين الأموات. فأتمر رؤَساء الكهنة أن يقتلوا لعازر أيضاً. لأن كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون فيؤمنون بيسوع، وفي الغد لما سمع الجمع الكثير الذين جاءوا إلى العيد بأن يسوع آتٍ إلى أورشليم. أخذوا سعف النخل وخرجوا للقائه وهم يصرخون قائلين. هوشعنا مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل، وإن يسوع وجد جحشاً فركبه كما هو مكتوب. لا تخافي يا ابنة صهيون هوذا ملككِ يأتيك راكباً على جحشٍ ابن أتان، وهذه الأشياء لم يفهمها تلاميذه أولاً. ولكن لما مُجِّدَ يسوع حينئذٍ تذكروا أن هذه كُتِبَت عنه وأنهم عملوها له، وكان الجمع الذين كانوا معه حين نادى لعازر من القبر وأقامه من الأموات يشهدون له. ومن آجل هذا استقبله الجمع لأنهم سمعوا بأنه قد صنع هذه الآية
تفسير الانجيل
جاءت الشهادة لمجده على كل المستويات: المستوى الفردي كأخت لعازر، والمستوى الجماعي كموكب أورشليم، المستوى الخارجي (اليونانيون)، كما تشهد له السماء، وأنبياء العهد القديم، وبعض الرؤساء، وأخيرًا السيد المسيح يشهد لنفسه.
"ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا، حيث كان لعازر الميت الذي أقامه من الأموات". (1)
بعد إقامة لعازر قام السيد المسيح بزيارة ودية لبيت لعازر قبل الفصح بستة أيام، وهو في بيت عنيا على مقربة من أورشليم. جاءت زيارته هذه كإعداد للاحتفال بالفصح، ليعلمنا أن نهتم بإعداد أنفسنا للمناسبات الروحية.
هذا ومن جانب آخر إذ جاءت الساعة لصلبه جاء بنفسه وهو يعلم أنهم سينصبون له الشباك، وهو قادر أن يفلت منها ويحطمها، لكنه جاء إلى العالم خصيصًا لتقديم نفسه ذبيحة حب عنا.
وهي زيارة صداقة لبيتٍ محبوبٍ لديه جدًا، "بيت لعازر ومريم ومرثا"، لأنه يعلم أنه بعد قليل سيفارقهم حسب الجسد. إنها زيارة وداعية، يترك بصمات حبه وكلمات تعزية وداعية تسندهم في يوم التجربة الذي كاد أن يحل.
أخيرًا فقد جاء إلى بيت عنيا بعد إقامته للعازر لكي يتابع آثار عمله، وكأنه جاء لكي يسقي ما قدس زرعه حتى يأتي بالثمر اللائق.
جاء السيد المسيح في السبت اليهودي حيث يُحتفل بالفصح في اليوم السادس من زيارته. كان الوقت قد أزف لتختار كل أسرة الحمل الذي يُقدم فصحًا في العيد، وكان يلزم حفظه خمسة أيام عن الحظيرة. وها هو حمل الله الفصح الحقيقي، يأتي بنفسه ليعزل نفسه، مسلمًا نفسه في أيدي محبيه لمسحه بالطيب والدموع في اليوم التالي من وصوله. بإرادته كرس حياته مبذولة فصحًا عن العالم كله. وقد جاء موكب دخوله إلى أورشليم في السبت المسيحي (أحد الشعانين) في اليوم التالي من زيارته لبيت عنيا. "فصنعوا له هناك عشاء، وكانت مرثا تخدم، وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه". (2)
قدمت الأسرة ذبيحة شكر عملية لذاك الذي أقام رب البيت، فصنعوا عشاء، وقام الثلاثة بأدوار مختلفة. لعازر بين المتكئين يشهد للمسيح الذي أقامه من الأموات، ومرثا تخدمه، ومريم تعلن حبها له بسكب الطيب على قدميه. يرى البعض أن هذه الوليمة هي بعينها التي تمت في بيت سمعان الأبرص (مت ٢٤: ٦). لكن يرى البعض أن الوليمتين مختلفتان، فالوليمة هنا تمت في بيت لعازر وأختيه بدليل قيام مرثا بالخدمة. الوليمة المذكورة في إنجيل متى كانت في اليوم الثالث من أسبوع الفصح، أما هذه فتمت قبل الفصح بستة أيام. وأن الوليمتين تمتا في بيت عنيا، مريم سكبت هنا منًا أي حوالي الرطل من الطيب، وفي الوليمة الثانية سكبت بقيته كله (مر ١٤: ٣).
لقد خدمت مرثا المائدة تعبيرًا عن تقديرها العظيم للسيد. حسبت ذلك كرامة لها أن تخدم السيد، أيا كانت الخدمة. لقد سبق أن قارن بين خدمتها وجلسة أختها مريم عند قدميه، قائلاً لها: أنت تهتمين بأمور كثيرة، أما مريم فاختارت النصيب الصالح الذي لن ينزع عنها، مع هذا لم تترك الخدمة.
"وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه" (٢). وجوده هو برهان على حقيقة قيامته التي وهبه إياها السيد المسيح. لقد جلس يأكل مؤكدًا أن الرب أقامه فعلاً.
v إنه يتلهف أن يعيد زيارته لذاك الذي أُقيم من الأموات، ويفرح بعطية الحياة المتجددة، إنه يأتي إلى الوليمة التي تعدها كنيسته له، بمناسبة ذاك الذي كان ميتًا فوجد بين الجالسين مع المسيح.
القديس أمبروسيوس
v واضح أن الوليمة كانت في بيت مرثا، إذ أن الذين أحبوا المسيح وهو أحبهم قبلوه عندهم.
قوله: "وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه"، كان في هذا دلالة على صدق قيامته، إذ يعيش ويأكل بعد أيام كثيرة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
v كلما أقام شخصًا من الأموات أمر السيد بتقديم طعامٍ له ليأكل، لئلا يُظن أن القيامة خيال. ولهذا السبب وُصف لعازر بعد قيامته أنه كان في وليمة مع ربنا.
"فأخذت مريم منًا من طيب ناردين خالص كثير الثمن، ودهنت قدمي يسوع، ومسحت قدميه بشعرها، فامتلأ البيت من رائحة الطيب". (3) المن: وزن يوناني وروماني يساوي نحو مائة درهم.
الناردين: نوع من الأطياب الثمينة التي تنافس بها القدماء، وذُكر في سفر نشيد الأناشيد (1: 12؛ 13:4، 14). أما كونه خالصًا فيعني أنه نقي غير مضاف إليه شموع أو راتنجات ليصير كالمرهم.
عبَّرت مريم عن حبها بسكب رطلٍ من طيب ناردين خالص كثير الثمن، حيث دهنت قدميه ومسحتهما بشعر رأسها، فامتلأ البيت من رائحة الطيب. قدمت أغلى ما لديها لتكريم السيد. إنها لم تدهن رأسه كالعادة المتبعة، بل في حبٍ عميقٍ دهنت قدميه. حتمًا إن سكب رطل طيب نقي تدفق على ثياب السيد المسيح، وامتلأ البيت كله برائحته الطيبة. وكما تقول النفس البشرية عن عريسها الملك: "مادام الملك في مجلسه، أفاح نارديني رائحته" (نش ١: ١٢).
لقد سكبت مريم طيب حبها الخالص ولازالت رائحته الطيبة تملأ بيت الرب عبر الأجيال، يشتمه الآب إذ يحمل رائحة المسيح الذكية (٢ كو ٢: ١٥)، ونشتمه نحن المؤمنون بعد كل القرون، فنشتهي أن نقدم حياتنا كلها رائحة حب خالص نحو ذاك الذي بادرنا بحبه.
v مرثا خدمت، من هذا يتضح أن الوليمة كانت في بيتها... مريم لم تخدم، إذ كانت تلميذة. هنا أيضًا سلكت بطريقة أكثر روحانية. فإنها لم تخدم كما لو كانت قد دُعيت لتفعل هذا، ولا قدمت خدماتها مشاعة لكل الضيوف بوجهٍ عامٍ، وإنما كرمت ذاك وحده. اقتربت إليه ليس كإنسانٍ بل بكونه إلهها. لهذا سكبت عليه دهن الطيب ومسحته بضفائر رأسها، لم تمارس هذه أفعال معتقدة فيه مثلما ظن الكثيرون.
القديس يوحنا الذهبي الفم
v الطيب هو البرّ، كان وزنه منًا (رطلاً)، لكنه طيب من ناردين خالص كثير الثمن... أصل الكلمة "خالص" في اليونانية ندعوها "الإيمان". أنتم تطلبون أن تصنعوا البرّ، فإن البار بالإيمان يحيا (رو ١: ١٧).
امسحوا قدمي يسوع، أي اقتفوا إثر خطوات الرب بحياة صالحة.
امسحوا قدميه بشعوركم، بما هو فائض لديكم، قدموه للفقراء بهذا تمسحون قدمي الرب. لأن الشعر يبدو كأنه أمر زائد في الجسد. لتقدموا شيئًا من الفيض الذي لديكم. إنه فائض عندكم، لكنه ضروري بالنسبة لقدمي الرب.
ربما قدما الرب على الأرض في احتياج. فإنه عن من يقول إلاَّ عن أعضائه: "ما فعلتموه بأحد اخوتي الأصاغر فبي فعلتم" (مت ٢٥: ٤٠)؟ إنكم تقدمون مما هو فائض عنكم، لكنكم تقدمون ما هو مُستحب لقدميه.
v "فامتلأ البيت من رائحة الطيب" (٣). العالم يمتلئ بسمعته الشخصية الصالحة، لأن السيرة الصالحة كرائحة طيب مبهجة. الذين يسلكون في الشر ويحملون اسم مسيحيين يسيئون إلى المسيح. عن هؤلاء قيل أنه بسببهم يُجدف على اسم الرب (رو ٢: ٢٤). إن كان بمثل هؤلاء يجدف على اسم الله، فإنه خلال الصالحين يُكرم اسم الله.
استمعوا إلى الرسول وهو يقول: "نحن رائحة المسيح الذكية في كل موضع". كما جاء في نشيد الأناشيد: "اسمك دهن مهراق" (نش ١: ٣).
القديس أغسطينوس
v هذا العطر لا يختلف عن عطر العروس الذي أفاح رائحة العريس. "مادام الملك في مجلسه أفاح نارديني رائحته" (نش 1: 12).
جاء في الإنجيل إن سكب الطيب على رأس ربنا قد أفاح رائحة ذكية في أرجاء المنزل حيث أقيمت المأدبة. يبدو أن المرأة ساكبة الطيب قد تنبأت بسرّ موت المسيح. وقد شهد الرب لعملها هذا قائلاً، "إنما فعلت ذلك لأجل تكفيني" (مت 12:26).
المنزل الذي امتلأ بهذه الرائحة يمثل الكون بأكمله، العالم كله: "حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم"، تنتشر رائحة عملها هذا مع الكرازة بالإنجيل، ويصير الإنجيل "تذكارًا لها"، إذ أن الناردين في نص نشيد الأناشيد يفيح رائحة العريس لعروسه، وفى الإنجيل أيضًا تصير رائحة المسيح الذكية التي ملأت كل المنزل كطيبٍ يطَّيب كل جسد الكنيسة في كل المسكونة والعالم أجمع.
القديس غريغوريوس النيسي
"فقال واحد من تلاميذه، وهو يهوذا سمعان الأسخريوطي المزمع أن يسلمه". (4)
v إذ فاحت رائحة المسيح الذكية صارت للبعض رائحة حياة لحياة، ولآخرين رائحة موتٍ لموتٍ (٢ كو ٢: ١٤-١٦). هذه الرائحة الذكية صارت رائحة موت ليهوذا.
القديس أغسطينوس
v في حديثه الموجه إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس كتب:
[لذلك أيها الإمبراطور الآن أوجه كلماتي ليس فقط عنك بل إليك، إذ تلاحظ كيف بكل حزم يريد اللَّه أن يحاكم، فإنه بقدر ما قد صرت ممجدًا بالأكثر يليق بك أن تخضع لخالقك بالكامل، إذ هو مكتوب: "عندما يحضرك الرب إلهك إلى أرض غريبة، وتأكل ثمر الآخرين لا تقل: بقوتي وبري أعطاني هذه، إنما الرب إلهك هو الذي أعطاك إياها". فالمسيح بمراحمه وهبك هذه، لذلك فحبًا في جسده أي الكنيسة أعط ماءً لقدميه، قبِّل قدميه، فليس فقط تعفو عمن سقط في خطية بل أيضًا بواسطة حبك للسلام تصلحهم وتهبهم راحة].
اسكب دهنًا على قدميه، لكي ما يمتلئ كل البيت الذي يجلس فيه المسيح برائحة طيبك، ويُسر كل الجالسين معه برائحتك الذكية. بمعنى كرِّم المذلولين، حتى تفرح الملائكة بالعفو عنهم، إذ يفرحون بخاطئ واحدٍ يتوب (لو 10:15)، ويُسر الرسل، ويمتلئ الأنبياء بالبهجة.
القديس أمبروسيوس
"لماذا لم يُبع هذا الطيب بثلاث مائة دينار، ويُعط للفقراء؟" (5)
وسط هذا الجو السماوي، رائحة المسيح الذكية التي تسحب القلوب نحو السماء، وُجدت رائحة نتانة الإصرار على الطمع والسرقة مع روح الخيانة تنبعث من قلب تلميذ يبدو من خاصة المسيح. لا يستطيع القلب أن يحتمل رائحة المسيح الذكية واهبة الحياة، فتصير بالنسبة له رائحة موتٍ لموتٍ (٢ كو ٢: ١٦).
لم يسترح يهوذا الخائن لهذا التصرف، وحسبه تبديدًا لمبلغٍ كبيرٍ كهذا، إذ حسب ثمن الطيب بحوالي ٣٠٠ دينارًا، كان يمكن تقديمه للفقراء، ولم يستطع أن يتلمس ثمن الحب الذي لا يُقدر بثمن. كان يهوذا رسولاً وكارزًا بالإنجيل، لكنه لا يحب روح التكريس والحب. تحولت الكرازة عنده إلى مهنة وعمل رسمي، لا تحمل رائحة طيب الحب التي تملأ بيت الرب "الكنيسة".
لقد وجد الحجة التي يتذرع بها ليهاجم عمل المحبة، فبدا كمن هو مترفق بالفقراء. فإنه حتى الشيطان يحول نفسه كما إلى ملاك نور. استخدم الحكمة البشرية، فحسب خدمة الفقراء ضد إظهار الحب للسيد المسيح، خافيًا في أعماقه طمعه وحبه للمال، وأنه لص يسرق ما بالصندوق.
لم يكن يحتمل هذا الخائن عمل الحب، حيث تسكب مريم طيبًا يمكن أن يُباع بثلاثمائة دينارًا، بينما قام هو ببيع السيد نفسه بثلاثين من الفضة. هي وضعت الثلاثمائة دينارًا تحت قدمي سيدها وحسبت ذلك كلا شيء، أما هو فوضع سيده تحت ثلاثين من الفضة وحسب سيده كلا شيء أمام هذا المبلغ التافه.
"قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء، بل لأنه كان سارقًا، وكان الصندوق عنده، وكان يحمل ما يُلقى فيه". (6)
يرى البعض أن كلمة "اسخريوطي" معناها "حامل الصندوق".
لم يحمل يهوذا حنوًا على الفقراء، ولا اهتمامًا بهم، وإنما كانت خدمة الفقراء فرصة لسرقة المال. يتساءل البعض: لماذا عهد إليه السيد المسيح الصندوق، ولم يعهد به إلى بطرس أو يوحنا أو غيرهما ممن هم أهل الثقة؟ ربما لأن يهوذا اشتهى هذا العمل، فنال سؤل قلبه. ولعل السيد المسيح سمح له بذلك حتى لا يكون له عذر في بيع سيده، لأنه لم يكن في عوزٍ.
تبقى الكنيسة عبر كل العصور تضم قلة مقدسة تلقي بكل ما لديها تحت قدمي السماوي، فتفوح رائحة حبهم، وتملأ بيت الرب برائحة المسيح الساكن في قلوبهم. وتضم أيضًا من يختفون وراء الشكليات وصناديق الفقراء ليسلبوا حق المسيح ويبيعونه بثمن عبدٍ، ولا يقوم بفضحهم، لعلهم يرجعوا إلى أعماقهم، ويكتشفوا شرهم وتتجدد حياتهم بالتوبة وبالرجوع إلى مخلصهم.
v أطال الرب أناته على يهوذا الشيطان واللص والخائن له. لقد سمح له أن يُقبل بين الرسل الأبرياء ما يعرفه الأمناء كمكافأة لهم (يقصد جسد الرب ودمه).
v انظروا الآن وتعلموا أن يهوذا هذا لم يصر فاسدًا فقط في الوقت الذي فيه قبل رشوة اليهود وخان ربه... لم يهلك في ذلك الحين وحده، بل كان بالفعل سارقًا وشريرًا حين كان يتبع الرب، إذ تبعه بجسده لا بقلبه. لقد أكمل عدد ١٢ للرسل، لكن لم يكن له نصيب في البركة الرسولية... عند رحيله خلفه آخر فكمل العدد الرسولي.
v لماذا كان للرب صندوق، هذا الذي تخدمه الملائكة، إلاَّ ليعلن بصراحة أن كنيسته تلتزم فيما بعد أن يكون بها مستودع للمال؟
لماذا أعطى اللص هذه المسئولية إلاَّ ليعلم كنيسته طول الأناة في احتمال اللصوص؟
لكن ذاك الذي اعتاد أن يختلس مالاً من الصندوق لم يتردد في أن يسلم ربه من أجل المال.
القديس أغسطينوس
v محبة المال أمر مروع، فإنها تفسد الأعين والآذان، وتجعل البشر أردأ من الوحوش المفترسة، فلا تعطي للإنسان أن يضع في اعتباره ضميره ولا الصداقة ولا الزمالة ولا خلاص نفسه، وإنما تسحبه من هذا كله، كسيدة عنيفة تستعبد من تأسرهم... لقد جعلت جيحزي أبرص بدلاً من كونه تلميذًا ونبيًا، وأهلكت حنانيا (وسفيرة) معه، وجعلت يهوذا خائنًا. محبة المال أفسدت قادة اليهود... جبلت ربوات الحروب، وملأت الطرق بالدماء، والمدن بالنحيب والمراثي.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فقال يسوع: اتركوها، إنها ليوم تكفيني قد حفظته". (7)
بينما دانها يهوذا حاسبًا أنها تصرفت بغير حكمةٍ، وبددت المال فيما لا ينفع، وكان يجب تقديمه للفقراء، إذا بالسيد المسيح يعلن أنها قامت بعملٍ روحي نبوي فائق، فقد تنبأت عن تكفينه. خلال حبها تلامست مع آلام السيد المسيح وموته ودفنه، وبتصرفها أعلنت عن رائحة الخلاص الذكية.
لم نسمع قط أن أنسانًا يُكفن، ويُدهن جسده للتكفين، وهو بعد حيّ، أما السيد المسيح فحسب هذا الطيب تكفينًا لجسده الذي لن يرى فسادًا. لقد سلم جسده المبذول طعامًا روحيًا عند تأسيسه سرّ الأفخارستيا في خميس العهد، والآن إذ بذل جسده بإرادته يعلن عن تكفينه. هكذا يؤكد السيد إرادته المقدسة الحرة في قبول الموت والدفن من أجل العالم ليهبهم قوة قيامته وبهجتها.
v قول السيد المسيح عن مريم "اتركوها، إنها ليوم تكفيني قد حفظته" ذكر الدافع لما فعلته المرأة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
v انظروا يا اخوة، فإنه لم يقل له: "إنك تقول هذا من أجل لصوصيتك". لقد عرفه أنه لص. ومع هذا لم يخَوِّنه بل بالأحرى احتمله، مقدمًا لنا مثالاً للصبر في احتمال الأشرار في الكنيسة.
القديس أغسطينوس
"لأن الفقراء معكم في كل حين، وأما أنا فلست معكم في كل حين". (8)
حمل هذا القول إشارة خفية للعملين، فمن جهة عمل يهوذا المختفي وراء تظاهره بحب الفقراء بينما يقوم بتسليم سيده للموت في خيانة بشعة، والثاني عمل مريم الرائع حيث تلقفت هذا الجسد المُسلم للموت لتكرمه بأغلى ما لديها، الطيب الكثير الثمن. إنه يوبخ يهوذا سرًا، لأنه يدعي حب الفقراء، ويكرم مريم، لأنها وجدت فرصة لا تتكرر "لست معكم في كل حين".
لقد كفنت مريم جسد مسيحها وهو حيّ، فنالت مديحًا من فم السيد نفسه. كفن نيقوديموس ويوسف الرامي جسد السيد بعد موته، فنالوا كرامة لكنها لا تقارن بالكرامة التي نالتها مريم. هي قدمت رطلاً من الطيب وهما قدما مائة رطل، لكن التقدمة الأولى للجسد الحي فاقت كثيرًا التقدمة الثانية.
مريم لا تزال تدعونا أن نطيب جسد المسيح الحي في أعضائه الفقراء والمساكين والمتألمين والمطرودين والذين ليس لهم من يسأل عنهم، فقد وعدنا الله: "لأنه لا تفقد الفقراء من الأرض، لذلك أنا أوصيك قائلاً: افتح يديك لأخيك المسكين والفقير في أرضك" (تث ١٥: ١١). ويدعونا نيقوديموس ويوسف الرامي أن نطيب جسده في الأعضاء التي رحلت، أي الشهداء والقديسين.
لا يمكن أن نمارس عملاً على حساب الآخر، إذ حبنا للفقراء يتناغم مع حبنا للقديسين الذين لا يزالوا أحياء يمارسون الحب لله كما لكل البشرية بالصلاة والشكر الدائم.
v أراد المسيح أن يحد من شره المتزايد، مستخدمًا تواضعًا عظيمًا نحوه. لذلك لم يذّكره بالسرقة مع أنه يعرفها، وهكذا وضع عبارة تحجز رغبته الشريرة، وتنزع عنه كل دفاع عن نفسه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
v بخصوص حضوره الإلهي معنا، فالمسيح حاضر على الدوام، وبخصوص حضوره في الجسد، بحق قال لتلاميذه: "لست معكم في كل حين" (8).
القديس أغسطينوس
"فعلم جمع كثير من اليهود أنه هناك، فجاءوا ليس لأجل يسوع فقط، بل لينظروا أيضًا لعازر الذي أقامه من الأموات". (9)
سمع كثير من اليهود بقصة إقامة لعازر من الأموات، إذ كانت موضوع حديث المدينة، فتقاطروا لا ليروا يسوع وحده بل وذاك الذي أقامه من الأموات. لم يأتوا ليسمعوه، بل لينظروا ويتأكدوا من قصة الإقامة من الأموات. لم يأتوا ليلقوا أيديهم عليه، ولا ليخبروا القيادات ضده، بل ليكرموه. جاء البعض لكي يثبتوا إيمانهم بالمسيح بأن يسمعوا معجزة الإقامة من فم لعازر نفسه، وآخرون بحب الاستطلاع جاءوا يتأكدون كيف يقوم إنسان من الموت، وماذا رأى في موته، وما هي أخبار العالم الآخر. صار لعازر في أيام العيد هذه عرضًا عجيبًا يريد كثيرون أن يروه ويسمعوه.
"فتشاور رؤساء الكهنة ليقتلوا لعازر أيضًا". (10)
كتب القديس جيروم رسالة إلى مارسيللا Marcella يمتدح فيه بلاسيللا Blaesilla ابنة باولا Paula فقد انتقل زوجها بعد سبعة شهور من زواجها، وأصيبت بمرضٍ خطيرٍ دفعها إلى الإيمان وتكريس طاقاتها لحساب المسيح، فعانت الكثير من الهجوم على تصرفاتها. حسبها القديس جيروم لعازر الجديد حيث تمتعت بما هو أشبه بالقيامة من الأموات.
v كانت حياتها السابقة تتسم بنوع من الإهمال، وقد تقيّدت بأربطة الغنى، ورقدت كمن هي ميِّتة في قبر العالم. لكن يسوع تحرك في ضيق وانزعج بالروح وصرخ: "بلاسيلا، هلم خارجًا". لقد قامت عند دعوته، وخرجت وجلست تأكل مع الرب (يو 2:12). في غضب هدّدها اليهود، يطلبون قتلها، لأن المسيح أقامها (يو 10:12). إنها تكتفي بأن يعطي الرسل المجد للَّه. بلاسيلا تعرف أنها مدينة بحياتها لذاك الذي رد لها الحياة. إنها تعرف أنها تقدر الآن أن تحتضن قدمي ذاك الذي منذ قليل كانت ترهبه كديّان لها... أيّة تعزية لها في كلماتهم (للمقاومين لها) التي هي أخف من الدخان؟
القديس جيروم
v أما كان يستطيع المسيح الرب القادر أن يقيم من الأموات أن يقيم من يُقتل (أي يقيم نفسه حين طلب اليهود قتله)؟
حينما كنتم تعدون موتًا عنيفًا للعازر، هل كنتم تجردون الرب من سلطانه؟ إن كنتم تظنون أن الميت غير المقتول فانظروا فقط إلى هذا، أن الرب فعل الأمرين، فأقام لعازر حين كان ميتًا، وأقام نفسه حين قُتل.
القديس أغسطينوس
"لأن كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون، ويؤمنون بيسوع". (11)
إذ التهبت قلوب الكثيرين بالشوق نحو رؤية يسوع والإيمان به تزايد بالأكثر حسد رؤساء الكهنة، وتشاوروا معًا، فلم يجدوا سبيلاً آخر للخلاص من هذا الموقف سوى قتله. لقد بذلوا كل الجهد لتشويه صورته أمام الجموع حتى يتخلى الكل عنه، لكن ذهبت هذه كلها هباءً، خاصة بإقامة لعازر من الموت. لم يكن يوجد دليل على كونه المسيا مثل إقامته الأموات، واهبًا للحياة، لأنه هو الحياة.
"وفي الغد سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع آت إلى أورشليم". (12) "فأخذوا سعوف النخل، وخرجوا للقائه، وكانوا يصرخون: أوصنا،
مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". (13)
كان سعف النخيل يشير إلى النصرة، لهذا دعا شيشرون إنسانًا نال جوائز كثيرة "رجل السعف الكثير". لقد غلب السيد قوات الظلمة بموته، لهذا استحق أن يحملوا سعف النخيل أمامه.
هذا وحمل سعف النخيل كان يمثل دورًا رئيسيًا في الاحتفال بعيد المظال، فكان علامة للبهجة بالعيد. وكأن المسيح هو عيدنا، مفرح قلوبنا.
يشبه سليمان الحكيم النفس المحبوبة لعريسها السيد المسيح بالنخلة: "قلت إني أصعد إلى النخلة وأمسك بعذوقها" (نش ٧: ٨).
اعتاد الأقباط في أحد الشعانين أن يتباروا في اقتناء السعف وجدله وتزيينه بالورود ووضع "قربان على شكل صليب" فيه... كعلامة مبهجة لاستقبال النفس لعريسها الغالب، وبهجة القلب بالملك السماوي، مخلص النفوس من الفساد. ولا يزال كثيرون يحتفظون بالسعف المجدول من أحد الشعانين حتى يحل أحد الشعانين التالي، علامة استمرارية الترحيب بالملك في القلب كما في الأسرة داخل البيت.
قدموا صرخات مستقبلية مقتبسة من مز ١١٨ : ٢٥-٢٦. هكذا جاء لقاء الشعب متناغمًا مع الفكر الكتابي، إذ لمسوا فيه أنه المسيا المنتظر، بينما أصيبت القيادات الدينية بالعمى الروحي.
مع أنه جاء فقيرًا بلا مجد زمني، لكن الشعب استقبله كملكٍ مخلصٍ لإسرائيل. أدركوا أنه الملك البار القادم باسم الرب (مز ٢: ٦). قبلوا مملكته بكل قلوبهم، عبروا عن ذلك بقولهم "أوصنا" أو "هوشعنا"، وتعني "خلصنا".
فتح الشعب قلوبهم ليدخل فيها رب المجد، وكأنهم ترنموا مع المرتل قائلين: "ارتفعي أيتها الأبواب الدهرية فيدخل ملك المجد... الرب القدير الجبار، الرب الجبار في القتال" (مز ٢٤: ٧-٨).
v سعف النخيل هو رمز للمديح يشير إلى النصرة، إذ جاء الرب للنصرة على الموت بالموت، وبغلبة صليبه يهزم رئيس الموت.
الهتاف الذي استخدمه الشعب المتعبد هو "هوشعنا"؛ البعض ممن يعرفون العبرية يرون أنه يشير إلى الذهن في حالة من اليقين، وذلك كما في لساننا (اللاتيني) صيغ للتعجب ففي حزننا نقول: "وأسفاه"، وفي فرحنا: "ها!" وفي دهشتنا: "رائع!"، وفي تعجبنا: "ياه!" هكذا هذه الكلمة تدخل في نفس الفصيلة حيث لا توجد ترجمة لها في اليونانية أو اللاتينية، مثل غيرها: "من يقول لأخيه: رقا!" لأن هذه أداة تعجب تعبر عن مشاعر الغضب.
v "مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل" (١٣). بالأحرى يفهم "باسم الرب" أنه "باسم الله الرب" كما يمكن أن يفهم على أنه باسمه هو، بكونه هو الرب.
v أية محنة ذهنية عانى منها رؤساء اليهود وهم يسمعون جمهورًا عظيمًا كهذا يعلنون أن يسوع هو ملكهم!
لكن أية كرامة ينالها الرب ليكون ملكًا لإسرائيل؟ أي أمر عظيم لملك الأبدية أن يصير ملكًا للبشر؟
فإن ملوكية المسيح على إسرائيل ليس بقصد نوال جزية، ولا بتقديم سيوف في أيدي الجنود، ولا لهزيمة أعدائه في حرب علنية، لكنه هو ملك إسرائيل في ممارسته سلطانه الملوكي على طبيعتهم الداخلية، وفي تدبير اهتماماتهم الأبدية، وفي جلب الذين لهم الإيمان والرجاء والمحبة متركزة فيه إلى ملكوته السماوي. لهذا فإنه بالنسبة لابن الله، المساوي للآب، الكلمة الذي به كان كل شيء، وبمسرته صار ملكًا لإسرائيل، هو عمل فيه تنازل وليس فيه ارتفاع له. إنه سمة حنو، وليس تزايد في السلطة. فإن ذاك الذي كان يُدعى ملك إسرائيل على الأرض، يُدعى رب الملائكة في السماء.
القديس أغسطينوس
"ووجد يسوع جحشًا، فجلس عليه كما هو مكتوب". (14)
اعتاد السيد المسيح أن يدخل مشيًا على قدميه، لكنه الآن يمتطي جحشًا في تواضع عجيب. لم يأتِ راكبًا مركبة كسليمان (نش ٣: ٩-١٠) بأعمدة من فضة وقواعد من ذهب ومغشاة بالأرجوان. لم يكن مجده ماديًا، لأن مملكته ليست من هذا العالم، لهذا لم يحمل مظهر الأبهة.
"فجلس عليه"، لم يقل "ركبه"، إذ أراد الإنجيلي أن يبرز موقفه كملكٍ يتربع على العرش. ما ورد هنا باختصار ذكره الإنجيليون الآخرون في شيء من التوسع (مت ٢١: ١-١٦؛ مر ١١ : ١-١١؛ لو ١٩: ٢٩-٤٨). "لا تخافي يا ابنة صهيون، هوذا ملكك يأتي جالسًا على جحش اتان". (15)
يدعو النبي ابنة صهيون أن تتطلع إلى ملكها المتواضع والوديع الذي يملأ حياتها ببهجة النصرة، لذا يدعوها ألا تخاف، بل تفرح وتتهلل، فقد جاء لكي ينزع عنها القلق والخوف. لقد تحققت نبوة زكريا النبي: "ابتهجي جدًا (لا تخافي) يا ابنة صهيون... هوذا ملكك يأتي إليك، وهو عادل ومنصور، وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان" (زك ٩ : ٩). إنه لم يأتِ لكي ينتقم من الأعداء، يهودًا كانوا أم رومانيين، وإنما جاء ليحل بسلامه السماوي ومجده العلوي عليهم. هذا ما عبَّر عنه الإنجيلي لوقا: "سلام في السماء، ومجد في الأعالي" (لو ١٩ : ٣٨). ويعلق القديس أغسطينوس على ذلك قائلاً:
v قيل لها "لا تخافي"، لتعرفيه ذاك الذي الآن تمجديه، ولا تعطي للخوف طريقًا إذ يأتي ليتألم. فإنه بسفك دمه يُمحى ذنبك، وتُرد لك حياتك. أما عن الجحش ابن الأتان الذي لم يركبه إنسان قط (كما ورد في الإنجيليين الآخرين) فيفهم شعوب الأمم التي لم تتقبل ناموس رب، وأما الأتان... فيشير إلى شعبه الذي جاء من إسرائيل وخضع لمعرفة مزود سيده.
v "لا تخافي يا ابنة صهيون"، لأن ملوك اليهود كانوا غالبًا ظالمين وطامعين، إذ سلموهم لأعدائهم وجعلوهم تحت الجباية عند محاربيهم... لكن ليس هذا هو حال ذاك الوديع والمتواضع كما يظهر من ركوبه الأتان، لأنه لم يدخل المدينة يقتاد جيشًا، لكنه جلس على الأتان فقط.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"وهذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولاً، ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه، وأنهم صنعوا هذه له". (16)
لم يستطع التلاميذ إدراك حقيقة الأحداث وما وراءها، وكيف تحققت نبوات العهد القديم إلاَّ بعد أن تمجّد السيد المسيح بقيامته وفتح قلوبهم بالحب وأذهانهم بروح المعرفة، فأدركوا أنهم تمتعوا بالعهد الجديد الذي اشتهاه الأنبياء قديمًا.
يقدم لنا الإنجيلي هذه الملاحظة أن التلاميذ لم يفهموا الأحداث أنها تتمم النبوات حتى حلّ الروح القدس عليهم بعد أن تمجد المسيح بصلبه وقيامته فأدركوها. كانوا كأطفالٍ صغارٍ يتصرفون وهم لا يدركون الأمور، لكنهم إذ بلغوا النضوج عرفوا ما وراء الأحداث من أسرارٍ إلهية، وعرفوا خطة الله للخلاص.
v أرأيت كيف أن التلاميذ جهلوا أكثر النبوات عن السيد المسيح إذ لم يعلنها لهم؟ ولا حين قال: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يو 2: 19) عرفوا ذلك. يقول إنجيل آخر: "كان هذا الأمر مُخفي عنهم" (لو ١٨: ٣٤)، ولن يعرفوا أنه كان ينبغي أن يقوم من الأموات... انظر إلى فلسفة البشير، كيف أنه لم يخجل من إشهار غباوة التلاميذ الأولى.
القديس يوحنا الذهبي الفم
v لم يخجل القديس يوحنا من الاعتراف بجهل التلاميذ، فقد عاد وأظهر معرفتهم، لأنه لم يضع في اعتباره تكريم الناس، بل كان يدعو لمجد الروح.
القديس كيرلس الكبير
اختلفت وجهات النظر نحو هذا الموكب الفريد:
1. تطلع إليه السيد المسيح أنه موكب المجد خلال الصليب، فقد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان بتقديم نفسه حمل الفصح عن العالم كله، ليعبر بالمؤمنين من عبودية إبليس إلى كنعان السماوية.
2. وتطلع إليه رجال العهد القديم وهم في الجحيم، ليروا تحقيق الرموز والنبوات، وقد حانت اللحظات التي طالما ترقبوها بشوقٍ عظيمٍ، ليأتي من يخرج بهم إلى الفردوس، حاملاً إياهم غنائم سماوية.
3. وتطلع التلاميذ إلى الموكب، ولم يفهموا شيئًا! دخلوا في حالة ارتباك شديد!
4. تطلع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى الموكب أنه دمار تام لمراكزهم ومصالحهم الشخصية.
5. تطلعت الجموع إلى الموكب أنه دخول إلى عصرٍ جديد، حيث جاء من يخلصهم من الاستعمار الروماني، ويهبهم مجدًا زمنيًا!
6. أخيرًا تطلع السمائيون إلى الموكب وهم يدهشون أمام تواضع كلمة الله المتجسد، وهو ملك السماء والأرض، يجلس على جحش ويزفه بشر ضعفاء... ماذا وراء تواضعه هذا وحبه للبشر؟!
"وكان الجمع الذي معه يشهد أنه دعا لعازر من القبر، وأقامه من الأموات". (17)
خروج هذه الجموع الغفيرة للقائه كان بسبب إقامة لعازر، وفي نفس الوقت أعطى الفرصة للحديث عن إقامة لعازر من الأموات، فتعلق به كثيرون، وتزايد بالأكثر حسد الفريسيين، وفقدوا كل أملٍ لهم في محاصرة شعبية يسوع المسيح والحدّ من سلطانه، فلم يكن أمامهم سوى الإسراع بقتله والخلاص منه. قُدمت عظات كثيرة للشعب، وصنعت آيات لا حصر لها، لكن إقامة لعازر من الأموات جذبت جماهير نحو السيد المسيح. فإنه ليس من أمر يحطم الإنسان مثل الموت، ولا ما يبهجه مثل القيامة من الموت.
v لم يرد كثيرون أن يتغيروا في الحال حتى آمنوا بالمعجزة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"لهذا أيضًا لاقاه الجمع، لأنهم سمعوا أنه كان قد صنع هذه الآية". (18) "فقال الفريسيون بعضهم لبعض: انظروا إنكم لا تنفعون شيئًا، هوذا العالم قد ذهب وراءه". (19)
الآن تحققت كل مخاوف القيادات الدينية، خاصة رؤساء الكهنة والفريسيين، فقد كاد الأمر يفلت من أيديهم، إذ تحرك الشعب ككل في موكب هزَّ مدينة أورشليم. فمن جانب اكتشف الفريسيون حقيقة أنفسهم: "إنكم لا تنفعون شيئًا" (19)، ومن الجانب الآخر شعر الفريسيون كأن العالم كله ذهب وراءه، وهنا يقصد به العالم اليهودي، أي كل إنسان، قد التصق به كتلميذٍ له. وأن كل تأخير في الخلاص منه يمثل خطرًا يصعب علاجه.
v قول الفريسيين: "هوذا العالم قد ذهب وراءه" قصدوا بالعالم هنا الجمع، لأن من عادة الكتاب المقدس أن يدعو الخليقة والسالكين في شرهم عالمًا، فقد قال السيد المسيح لتلاميذه: "لا يقدر العالم أن يبغضكم، ولكنه يبغضني أنا، لأني أشهد عليه أن أعماله شريرة" - يو 7: 7
|