الفصل الرسائلي لأحد الأعمى
أنت يا رب تحفظنا وتسترنا
ستيخن: خلِّصني يا رب فإن البار قد فني
فصل من أعمال الرسل القديسين الأطهار
في تلك الأيام فيما نحن الرسل مُنطلقون إلى الصلاة استقبلتنا جارية بها روح عِرافة، وكانت تُكْسِب مواليها جزيلاً بِعِرافتها. فطفقت تمشي في إثر بولس وإثرنا وتصيح قائلة هؤلاء الرجال هم عبيد الله ألعلي وهم يبشرونكم بطريق الخلاص. وصنعت ذلك أياماً كثيرة فتضجَّر بولس والتفت إلى الروح وقال إنّي آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها، فخرج في تلك الساعة. فلما رأى مواليها أنه خرج رجاء مكسبهم قبضوا على بولس وسيلا وجرُّوهما إلى السوق عند الحكام. وقدموهما إلى الولاة قائلين إنّ هذين الرجلين يُبلبلان مدينتنا وهما يهوديان. ويناديان بعادات لا يجوز لنا قبولها ولا العمل بها إذ نحن رومانيون. فقام عليهما الجمع معاً ومزّق الولاة ثيابهما وأمروا أن يُضربا بالعصي. ولما أثخنوهما بالجراح ألقوهما في السجن وأوصوا السجان بأن يحرسهما بضبطٍ، وهو إذ أُوصي بمثل تلك الوصية ألقاهما في السجن الداخلي وضبط أرجلهما في المقطرة. وعند منتصف الليل كان بولس وسيلا يُصلّيان ويسبحان الله والمحبوسون يسمعونهما. فحدثت بغتةً زلزلةٌ عظيمةٌ حتى تزعزعت أسس السجن. فانفحت في الحال الأبواب كلّها وانفكت قيود الجميع. فلما استيقظ السجان ورأى أبواب السجن إنها مفتوحة استلّ السيف وهمَّ أن يقتل نفسه لظنه أن المحبوسين قد هربوا. فناداه بولس بصوتٍ عال قائلاً لا تعمل بنفسك سوءاً فإنّا جميعنا ههنا. فطلب مصباحاً ووثب إلى داخل وخرَّ لبولس وسيلا وهو مُرتعد. ثمّ خرج بهما وقال يا سيدي ماذا ينبغي لي أن أصنع لكي أخلُص. فقالا آمن بالرب يسوع المسيح فتخلُص أنت وأهل بيتك. وكلّماه هو وجميع من في بيته بكلمة الرب. فأخذهما في تلك الساعة من الليل وغسل جراحهما واعتمد من وقته هو وذووه أجمعون. ثم أصعدهما إلى بيته وقدَّم لهما مائدة وابتهج مع جميع أهل بيته إذ كان قد آمن بالله
الفصل الإنجيلي لأحد الأعمى
فصلٌ شريفٌ من بشارةِ القديسِ يوحنا البشير
في ذلك الزمان فيما يسوع مجتاز رأى إنساناً أعمى منذ مولده، فسأله تلاميذه قائلين يا رب مَن أخطأَ أهذا أم أبواه حتى وُلد أعمى، أجاب يسوع لا هذا أخطأَ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه، ينبغي لي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار. يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل، ما دمت في العالم فأنا نور العالم، قال هذا وتفل على الأرض وصنع من تفلته طيناً وطلى بالطين عيني الأعمى، وقال له اذهب واغتسل في بركة سلوام (الذي تفسيره المُرسَل). فمضى واغتسل وأتى بصيراً، فالجيران والذين كانوا يرونه من قبل أنه كان أعمى قالوا أليس هذا هو الذي كان يجلس ويستعطي. فقال بعضهم هذا هو. وآخرون قالوا إنه يشبهه. وأما هو فكان يقول إني أنا هو، فقالوا له كيف انفتحت عيناك، أجاب ذاك وقال. إنسان يقال له يسوع صنع طيناً وطلى عَينيَّ وقال لي اذهب إلى بركة سلوام واغتسل. فمضيت واغتسلت فأبصرت، فقالوا له أين ذاك. فقال لا أعلم، فأتوا به أي بالذي كان قبلاً أعمى إلى الفريسيين ، وكان حين صنع يسوع الطين وفتح عينيه يوم سبت، فسأله الفريسيون أيضاً كيف أبصر. فقال لهم جعل على عينيَّ طيناً ثم اغتسلت فأنا الآن أُبصر، فقال قوم من الفريسيين هذا الإنسان ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت. آخرون قالوا كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات. فوقع بينهم شقاق، قالوا أيضاً للأعمى ماذا تقول أنت عنه من حيث إنه فتح عينيك. فقال إنه نبي، ولم يصدق اليهود عنه أنه كان أعمى فأبصر حتى دعوا أبويّ الذي أبصر، وسألوهما قائلين أهذا هو ابنكما الذي تقولان إنه وُلد أعمى. فكيف أبصِر الآن، أجابهم أبواه وقالا. نحن نعلم أن هذا ولدنا وأنه وُلد أعمى. وأما كيف أبصر الآن فلا نعلم. أو مَن فتح عينيه فنحن فلا نعلم. هو كامل السن. فاسألوه فهو يتكلم عن نفسه، قال أبواه هذا لأنهما يخافان من اليهود. لأن اليهود كانوا قد تعاهدوا أنه إن اعترف أحد بأنه المسيح يُخرَج من المجمع. فلذلك قال أبواه هو كامل السن فاسألوه، فدعوا ثانيةً الإنسان الذي كان أعمى. وقالوا له أعطِ مجداً لله، فإنا نعلم أن هذا الإنسان خاطئ، فأجاب ذاك وقال أخاطئ هو لا أعلم. إنما أعلم شيئاً واحداً أني كنت أعمى والآن أُبصِر، فقالوا له أيضاً ماذا صنع بك. كيف فتح عينيك، أجابهم قد أخبرتكم فلم تسمعوا. فماذا تريدون أن تسمعوا أيضاً. ألعلكم أنتم أيضاً تريدون أن تصيروا له تلاميذ، فشتموه وقالوا له أنت تلميذ ذاك. فأما نحن فإنا تلاميذ موسى، فنحن نعلم أن الله قد كلَّم موسى. فأما هذا فلا نعلم من أين هو، أجاب الرجل وقال لهم. إن في هذا عجباً. إنكم ما تعلمون من أين هو وقد فتح عيني، و نحن نعلم أن الله لا يسمع للخطاة. ولكن إذا أحد اتقى الله وعمل مشيئته فله يستجيب، منذ الدهر لم يُسمَع أن أحداً فتح عيني مولود أعمى، فلو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئاً، أجابوه وقالوا له: إنك في الخطايا قد ولدت بجملتك أفأنت تعلمنا. فأخرجوه خارجاً، فسمع يسوع أنهم أخرجوه خارجاً فوجده وقال له أتؤمن أنت بابن الله، فأجاب ذاك وقال مَن هو يا سيد لأُومن به، فقال له يسوع قد رأيته والذي يتكلم معك هو هو، فقال له قد آمنت يا رب وسجد له
كلمة الأحد
كانوا ذاهبين إلى مكان للصلاة "مصلىproseuchoe " [13]، فالتقت بهم جارية بها روح عرافة Python وهو أحد أسماء أبوللو. إله الفنون الجميلة اليوناني مثل الموسيقى والشعر والطب والبلاغة، كانوا يعتقدون أنه مخترع الفنون، وكان مشهورا بأنه ثالث ابن للإله جوبتر ولاتونا Latona، له معبد خاص به وكاهن في ديلفي Delphi، ربما الكاهن "الوسيط الروحي" الوحيد الذي له شهرة على مستوى المسكونة، يأتي إليه كثيرون من كل أنحاء العالم. دُعي Pathon، لأنهم يعتقدون نه ما أن ولد حتى أهلك بالسهام حية تحمل ذات الاسم. وقيل أنه أرسله أبوللو ليضطهد Latona؛ من هنا صار اسمه العامPythian Apollo . له معابد على جبل بارناسوس Parnassus وفي دلفي وديلوس Delos وكلاروس Claros وتيندوس Tenedos الخ.، وكانت عبادته مسكونية. في دلفي كانت كاهنة لعبدة تدَّعى بأن الوحي يحل عليها، وكانت تهيج بعنفٍ شديد أثناء حلول الوحي عليها وكانت تدعى Python، هكذا كانت العرافة مكسبًا لربحٍ عظيمٍ، وكان الرسول بولس يتطلع إلى هذا العمل أنه شيطاني.
لقد اتبعت القديس بولس ومن معه، ربما لأنها ظنت أنها تتنبأ لهم، فتنال منهم أجرة أو مديحًا علنيًا؛ أو لأنه إذ يسكنها روح شرير خشي الروح أن يطرده من مسكنه. لكن الرأي الأرجح أنها أرادت الشهادة لهم حتى إذ يقبلوا شهادتها علانية تعود فتضل الناس. تبدأ تنطق بما هو حق ليس لحبها في الحق ولا للكرازة به، ولكن كفخٍ لإسقاط سامعيها في الضلال. كما كانت الشياطين تتبع السيد المسيح صارخة: "هذا هو قدوس الله" (مر 1: 24)، لكي تتمكن فيما بعد من تضليلهم، هكذا تبع الروح النجس الذي في العرافة بولس الرسول ومن معه وهو يصرخ: "هؤلاء الناس هم عبيد الله العلي الذين ينادون لكم بطريق الخلاص" [17].
v لماذا نطق الشيطان بهذه الكلمات؟ ولماذا منعه بولس؟ لأن الأول تكلم بخبثٍ، والثاني بحكمةٍ. لقد أراد الشيطان أن يجعل من نفسه موضع ثقة. فلو أن بولس قبل شهادته لخدع الشيطان الكثير من المؤمنين، إذ صار مقبولاً بواسطة بولس. لهذا قبل أن ينطق بما هو ضد نفسه حتى يؤسس بعد ذلك ما هو لحسابه. هكذا فإن الشيطان نفسه كان يُعد ما هو للدمار.
v لقد رأى الشيطان أنهما قد صاروا مشهورين، فأراد هنا أن يقوم بدور ريائي. بهذا ظن أنه يُسمح له أن يبقى في الجسد مادام يبشر بنفس الأمور. ولكن إن كان المسيح لم يقبل شهادة إنسان (يو 5: 34)، قاصدًا يوحنا، فكم بالأولى لا يقبل شهادة شيطان. "التسبيح لا يليق بفم الخاطي" (ابن سيراخ 15: 9). فإن هؤلاء يبشرون ما هو ليس من البشر بل من الروح القدس. إذ لم يعملوا بروح الافتخار.
v ألا يدعو شيطان ما اسم اللَّه؟ ألم تقل الشيّاطين: نحن نعرف من أنت، قدّوس اللَّه؟ (مر 1: 24؛ لو 4: 34) ألم يقولوا لبولس: "هؤلاء الرجال هم خدّام اللَّه العليّ"؟ لقد فعلوا هذا وهم تحت العذاب، فعلوا هذا فقط تحت الضغط، وليس بإرادتهم، ما كانوا يفعلون هذا دون هزيمتهم.
ضجر منها الرسول بولس إذ خشي أن يظن السامعون أنه موافق على شهادتها لهم، كما حزن من أجل العرافة نفسها أنها مُستعبده لروحٍ شريرٍ يحركها كما يشاء، ويضلل من يستمع إليها.
في أيام الإمبراطورية الرومانية كان كثيرون يعتقدون في الوحي الذي يحل على كاهنات أبوللو. وكانت الهياكل في كل موضع تزدحم بالقادمين الذين يسيرون وراء هذا الضلال. فكان لا بد للمسيحية أن تكشف هذا الضلال، حتى وإن بدا البعض أنهم يتنبأون أو يشهدون للحق إلى حين.
خروج الروح الشرير كان علامة على السلطان الذي يحمله الرسل من الله، وقوه اسم يسوع المسيح الذي لا يحتمله عدو الخير.
في تعليق القديس كيرلس الكبير على قول السيّد المسيح: "فإن كنت أنا ببعلزبول أخرج الشياطين، فأبناؤكم بمن يُخرجون؟" (لو 11: 19) يقول: [كان التلاميذ الطوباويّون يهودًا، وأبناء اليهود حسب الجسد، لكنّهم نالوا سلطانًا من المسيح على الأرواح الشرّيرة ويحرّرون من تملّكوا عليهم باستدعاء الكلمات: "باسم يسوع المسيح". فإن بولس نفسه أيضًا مرّة أمر الروح الشرّير بسلطان رسولي": أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها" [18].
v حقا إن الشياطين تؤذي الذين يخافون منها، الذين لا تحميهم يد الله القوية العالية، الذين لم يرتبطوا بسرّ الإيمان. لكنهم يخشون الأبرار، أي الذين يعبدون الله، والذين يستحلفونهم باسمه أن يفارقوا الأجسام التي سكنوها. فإنهم يُضربون بكلماتهم كما بجلدات، وأحيانا يكفي مجرد ذكر أسمائهم فيرتعبون.
لم يكن يشغل مواليها معرفة الحق الإلهي، إنما تشغلهم المكاسب المادية، فإن محبة المال تعمي قلوب البشر عن رؤية الحق وقبوله، بل تحولهم إلى مقاومة الحق، وتملأ قلوبهم كراهية وسخطًا. إلى يومنا هذا نجد في بعض البلاد من يقاومون الإيمان المسيحي مع إدراكهم عقليًا أنه حق، لكنهم يفعلون هذا بغية المكاسب المادية ونوال كرامة من الجهلاء. روى لي أحد الأحباء وهو صديق لشخص غير مسيحي كاتب له شهرته، كثيرًا ما كان يكتب ضد الإيمان المسيحي مع صداقته لكثير من المسيحيين، ولما سأله هذا الصديق أجابه:" بهذا الهجوم يسرع الكثيرون إلى شراء الجريدة."
v في كل موضع ( محبة) المال هي أصل كل الشرور. يا لهم من وثنيين قساة! لقد فضلوا أن تبقى الجارية ممسوسة بالشيطان لكي يربحوا مالاً بواسطتها.
جاءوا بهما إلى الوالي العسكري، ففيلبي كمستعمرة رومانية يمارس الضباط العسكريون إدارة الشئون العسكرية والمدنية في نفس الوقت.
قدموا اتهامًا ضد الرسولين أنهما مثيرا شغب وضد الشعب، وكأن ما يشغلهم هو سلام المدينة وهدوءها، والغيرة على قوانين الدولة. هكذا يرون في القوة الإلهية والعمل المقدس مقاومة للسلطات وكسرًا للقوانين. هذا الإتهام لا يزال يُقدم كل يوم ضد المؤمنين الحقيقيين في بلاد كثيرة.
الاتهام الثاني ضد الرسولين أنهما يقدمان عادات دينية جديدة غريبة عن العادات الرومانية، أي يقدمون دينًا جديدًا لا تعترف به القوانين الرومانية. أظهر هؤلاء الموالين لروح العرافة أنهم غيورون على العبادة الرومانية واليهودية، مع أن ما يشغلهم حقيقة هو المكاسب الدينية.
لم تسمح القوانين الرومانية بالعبادة لآلهة جديدة لم يقرها القانون. يقول العلامة ترتليان: "كان يوجد قانون أنه لا يجوز تقديس إله ما لم يقره مجلس الشيوخ senate".
كما أخفى اليهود ما في قلوبهم فاتهموا السيد المسيح بأنه يود أن يقيم نفسه ملكًا، صارخين: "ليس لنا ملك إلا قيصر: من يجعل نفسه ملكًا يتكلم ضد قيصر" (يو 19: 12، 14)، هكذا فإن هؤلاء الرومانيين لم يكشفوا ما في قلوبهم، فلم يقولوا بأن هؤلاء قد اخرجوا الشيطان من الجارية، لئلا يحسبوا أشرارًا، إنما اتهموهما بأنهما يغّيران عوائدهم كرومانيين، وأنهما يبلبلان المدينة.
واضح أن موالي العرافة استطاعوا أن يثيروا جمهورًا كبيرًا وشغبًا ضد الرسولين وبطريقة غير شرعية، وقد احتج الرسول بولس على ذلك لأنه إجراء غير قانوني [37].
كانت العادة أن يُعرى المجرم قبل جلده أو ضربه بالعصي.
كان هذا عمل اللكتور lector أو الجلاد، كعقوبة عامة بين الرومان أن يضرب الشخص بالعصي ثلاث مرات (2 كو 11: 25).
كانت الشريعة اليهودية تمنع العقوبة بأكثر من 40 جلدة، لهذا كانت العقوبة غالبًا لا تتعدي 39 جلدة حتى إن حدث خطأ في جلده لا يكون الشخص منفذ العقوبة قد كسر الشريعة، أما بالنسبة للرومان فالقانون لا يضع حدودًا لعدد الضربات. هذا ما عبَّر عنه الرسول بأنه ضرب فوق الحدود (2 كو 11: 23).
كان المجرمون الخطيرون يُلقون في السجن الداخلي لضمان عدم هروبهم. هذا السجن غالبًا ما يكون مملوء بالقاذورات وغير صحي ومظلم. وُضعت أرجلهما في مقطرة، بين قطعتين من الخشب حتى لا يقدرا على المشي، وغالبًا ما يربط الشخص بطريقة يضطر بها أن ينام على ظهره الذي يمتلئ بالجراحات بسبب الضرب، فيعاني من آلام أشد. استخدام المقطرة قديم للغاية (أي 13: 27). يرى البعض أنّها قطعة خشبيّة على شكل برواز، حيث يوجد بها فتحتان تُثبت فيهما القدمان ليكونا مبتعدتين عن بعضهما البعض. وُجدت أكثر من مقطرة قديمة بها خمس فتحات تثبّت فيها القدمان والرجلان والرأس.
يوجد حاليًا في سيلان Ceylon أداة تشبه المقطرة تستخدم، لكن تترك الرأس حرّة دون تثبيت.
وسط مثل هذه الآلام لم يكن ممكنًا للذين في السجن الداخلي أن يناموا، فكانت صرخاتهم تدوي من الآلام الشديدة، أما هذان المسجونان فكانا يرتلان ويسبحان الله بروح التهليل والفرح، تسندهما نعمة الله الفائقة للطبيعة. فالمؤمن الحقيقي، شريك ملك الملوك في آلامه وصلبه، يجد لذة وسط الألم أعظم ممن يجدها ملك أو إمبراطور أو رئيس على عرشه.
لم يكن ممكنًا للسجن بظلمته وقذارته وأوحاله، ولا للقيود والمقطرة ولا للجراحات التي ملأت جسمي بولس وسيلا أن تنزع عنهما روح الفرح والتهليل. فتحول السجن إلى أشبه بسماء، والرسولان إلى طغمة ملائكية مسبحة لله، فاهتزت لهما السماء وتزلزلت الأرض وتزعزعت أساسات السجن. تحولت الآلام إلى أغنية مفرحة حيث يترنم الرسول في مجد داخلي: "أهم خدام المسيح، أقول كمختل العقل، فأنا أفضل، في الأتعاب أكثر، في الضربات أوفر، في السجون أكثر، في الميتات مرات كثيرة" (2 كو 11: 23).
v ماذا يمكن أن يعادل هاتين النفسين؟ هذان الرجلان قد جُلدا وتقبلا ضربات كثيرة وأُسيء التعامل معهما، كانا في محنة، ألقيا في السجن الداخلي، موضعين في مقطرة، ومع هذا كله لم يسمحا لنفسيهما أن يناما بل سهرا بالليل. ألا ترون بركات المحن؟ أما نحن ففي أسرة ناعمة، ليس ما يرعبنا، نقضي الليل نيامًا... لم يكن ممكنًا لطاغية النوم أن يتسلط عليهما، ولا الشعور بالألم أن يحنيهما، ولا الخوف من الشرور أن يطردهم إلى حالة اكتئاب يائسة. لا بل هذه كلها هي بعينها جعلتهما يقظين، ومملوئين بهجة فائقة.
هكذا أعلن الرسولان عمليًا أن سعادة الإنسان مصدرها قلبه، حيث يسكن الله ويقيم ملكوته فيه. كما أعلنا أنه لن يقدر إنسان ما أو قوة ما معادية ان تحطم سلام المؤمن الحقيقي؛ قد يمارس الأشرار ضغوطًا شديدة على جسده، أما نفسه فما تقدر قوة ما أن تحنيها.
اهتمت الكنيسة بممارسة السهرات الروحية، إلا أن فيجيلانتيوس Vigilantius هاجم حياة السهر، وقضاء ليالٍ للسهر يكرمون فيها رفات الشهداء والقديسين في الرب، مع أن اسمه معناه "الساهر".
v تخبرني بأن فيجيلانتيوس يشجب السهر. وهو في هذا بالتأكيد يأخذ موقفًا مضادًا لاسمه. الساهر يود أن ينام، ولا يريد أن يسمع كلمات المخلص: "ماذا، أما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة. حقا الروح قوي والجسد ضعيف" (مت 26: 40-41). وفي موضع آخر يسبح النبي: "في نصف الليل أقوم وأشكرك على أحكام عدلك" (مز 119: 62) نقرأ أيضًا في الإنجيل كيف قضى الرب ليالٍ كاملة في الصلاة (لو6: 12)، وكيف أن الرسولين عندما وُضعا في السجن حفظا السهر الليل كله، مرنمين مزاميرهما، حتى تزلزلت الأرض، وآمن حافظ السجن، والولاة والمواطنون امتلأوا رعبًا (أع 16: 25-38). يقول بولس: "ثابروا على الصلاة واسهروا" (كو 4: 2). وفي موضع آخر يتحدث عن نفسه أنه "في أسهار كثيرة" (2 كو 11: 27). لينم فيجيلانتيوس إن كان في ذلك مسرته ويغط نومًا، فيهلكه مهلك مصر والمصريين. لكننا لنقل نحن مع داود: "هوذا حافظ إسرائيل لا ينعس ولا ينام". (مز 121: 4) " ليأت إلينا القدوس الحارس" (راجع دا 3: 13). وإن كان بسبب خطايانا ينام، فلنقل له: "قم يا رب لماذا تنام؟" (مز 44: 23) وعندما تُلطم سفينتنا بالأمواج لنيقظه قائلين: "يا سيد، خلصنا، فإننا نهلك" (مت 8: 25 ؛ لو 8: 24).
من ينجذب بنار المسيح يصير كشخصٍ يسكن وحده على الأرض. لا يبالي قط لا بالمجد ولا بالهوان. لن تحركه التجارب والجلدات والسجون، بل يكون كمن يتعذب في جسم ليس له، أو كمن له جسم بلا إحساس (للآلام). إنه يسخر تمامًا بملذات هذه الحياة، ولا يشعر باللذة، كأنه جثة بلا إحساس. وكما لا تذهب الهوام إلى اللهيب بل تهرب منها، هكذا فإن أهواء الروح لا تتجاسر أن تقاومه.
v بولس مواطن السماء، عمود الكنيسة، ملاك أرضي، كائن سماوي. مثل حديد محمي بالنار صار كله متوهجًا هكذا التهب بولس بالحب، فصار الحب نفسه.
v يلزمنا أن نصلي في نصف الليل كما كتب لتعليمنا عن بولس وسيلا... قال المرتل: "في نصف الليل كنت استيقظ وأسبحك على أحكام عدلك".
v كيف نصلي في كل حين (أف 6: 18، 1 تس 5: 17؛ 1 تي 2: 8)، بينما نحن ممنوعون من الصلاة في مكان عام (مت 6: 5، 6)؟ نصلي في أي موضع يعني كلما أتيحت لنا فرصة أو وُجدت ضرورة نحسبها مناسبة. هذا ما فعله الرسولان اللذان كانا في موضع يسمعه المساجين، إذ كانا يصليان ويسبحان الله، ولم يُحسب هذا مخالفًا للوصية، ولا ما فعله بولس وهو في السفينة في حضور الكل إذ قدم شكرًا لله (أع 27: 35).
بينما ارتفع قلبا الرسولين إلى السماء ليتمتعا بالسيد المسيح الممجد، يشاركان ملائكته تسابيحهم له، إذا بالأرض تتزلزل تحت قدميهما كما في رعب مما يفعله الأشرار بأولاد الله. لم يجد الرسولان من يدافع عنهما، فانطلقت الطبيعة تشهد لهما.
كان حدوث الزلزلة العظيمة إشارة إلى حضرة الله الذي تتزلزل أمامه الجبال، فإن كان الرسولان قد سُجنا في الحبس الداخلي وقيدت أرجلهما، فإن إله السماء والأرض يعلن حضوره ومعيته لهما.
لم يكن ممكنًا للأبواب أن تُغلق أمام العناية الإلهية، ولا للقيود أن تمسك برجال الله الأتقياء. تم هذا كله لكي يُنجح الله طريق الرسولين فيشهدا له أمام السجان والمساجين.
v ليتنا نحن أيضًا نفعل هذا (الصلاة الليلية). فإننا نفتح لأنفسنا لا سجنًا بل السماء. إن كنا نصلي يمكننا أن نفتح السماء. إيليا أغلق السماء وفتحها بالصلاة (يو 5: 17). يوجد أيضا سجن في السماء. يقول: "ما ربطتموه على الأرض يكون مربوطًا في السماء" (مت 16: 19). لنصلي بالليل، فنحل هذه القيود. فإن هذه الصلوات تحل الخطايا. ليت الأرملة تقنعنا، ليت ذاك الصديق يقنعنا، هذا الذي يأتي في ساعة غير متوقعة بالليل ويصمم قارعًا (لو 11: 5). ليقنعنا كرنيليوس إذ قيل: "صلواتك وصدقاتك صعدت أمام الله" (أع 10: 4). ليقنعنا بولس القائل: "ولكن التي هي بالحقيقة أرملة ووحيدة فقد ألقت رجاءها على الله، وهي تواظب الطلبات والصلوات ليلا ونهارا" (1 تي5: 5).إن كان يتحدث هكذا عن الأرملة، المرأة الضعيفة، كم بالأكثر يليق بالرجال (أن يسهروا في الصلاة)... لنقم في الليل، وإن كنت لا تقيم صلوات كثيرة، فلتقم صلاة واحدة بيقظة. هذا يكفي، لست أطلب أكثر من هذا. وإن كانت ليست في منتصف الليل، فلتكن في بدء الفجر، لتظهر أن الليل ليس فقط للجسد وإنما للنفس أيضًا. لا تسمح له أن يعبر في خمول، بل رده لسيدك، بل بالأحرى سيرتد النفع إليك.
لم يتطلع الرسولان إلى هذا الحدث كأمرٍ إلهيٍ بالهروب من السجن، بل كفرصة رائعة يقدمها الله للعمل الكرازي. لم يكن يتخيل السجان أن سجينًا ما يبقي في زنزانته وقد تزلزلت الأرض وانفتحت كل الأبواب وانفكت قيود الجميع. لا مفر له من الهروب من المسئولية، فالحل الوحيد هو الانتحار! والعجيب أن فيلبي كأرض لمعارك كثيرة شهدت انتحار كثير من القادة عندما حل بهم الخطر، مثل بروتس Brutus وكاسيوس Cassius وكثير من أصدقائهما، إذ سقط كل منهم على سيفه، وأنهوا حياتهم بالانتحار. هذا التصرف الذي كان منتشرًا نزعته المسيحية عن قلوب المؤمنين، إذ لا يجوز للإنسان أن ينتحر مهما كانت الظروف.
كان من تقليد الشرف الروماني أن السجان الذي يخفق في ضبط سجنه لا ينتظر التحقيق والسقوط تحت العقوبة بل يقضي على نفسه بيده.
حسب القانون الروماني إذا هرب سجين ينفّذ الحكم الصادر ضدّه على الحارس، وإذ ظن الحارس أن بعض المساجين قد هربوا، فهذا معناه أنّه سيقع تحت عذابات كثيرة. فيحسب موته بيديه أفضل من موته مع تعذيبات. هذه هي صرخة الإيمان المسيحي لكل بشر في العالم: "لا تفعل بنفسك شيئًا رديًا"، فإنه لا يقدر أحد أن يؤذيك ما لم تؤذِ أنت نفسك. ارفع يدك ولا تضرب بالسيف ذاتك، فإن الله يطلب حياتك الفضلى ومجدك الأبدي.
نادى القديس بولس بصوتٍ عظيمٍ لأن حافظ السجن كان بعيدًا عنه. صرخ وسط ظلمة السجن، وهو يرى بعيني قلبه ما يريد حافظ السجن أن يفعله بنفسه، أدرك ما في فكر حافظ السجن. جاءت كلمة "ضوء" في اليونانية بصيغة الجمع، ربما لأن حافظ السجن طلب من مساعديه أن يأتوا بمشاعل كثيرة، ويذهب كل منهم في اتجاه للتحقق من الأمر.
انطلق في رعب إلى السجن الداخلي، فقد دُهش كيف لم يتحرك مسجون واحد من زنزانته بالرغم من حدوث الزلزلة العظيمة وانفتاح جميع الأبواب. هذا ومما أدهشه سلام قلبي الرسولين وبشاشتهما وتهليلهما بالرب، فأدرك أنهما في حضرة الله. حسبهما رجلي الله القديسين، فسجد أمامهما مرتعبًا.
"ثم أخرجهما وقال: يا سيدي، ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟" [30]
تحدث معهما في وقارٍ شديدٍ: "يا سيدي"، وهو لقب يُقدم للسادة وأصحاب العبيد. لم يكن يشغله خلاصه الزمني وموقفه أمام السلطات، وإنما خلاصه الأبدي. لقد أدرك أنهما حتمًا رسولا الله الحقيقي، وأنهما تحت رعايته وحمايته، قادران عن الكشف عن طريق الخلاص. اكتشف حافظ السجن انه خاطئ، ومحتاج إلى خلاص من خطاياه، وأنه ضعيف لا سلطان له بالرغم من مركزه المرعب. السجان في رعب، والمسجونان في سلام داخلي. السجان يدرك ضعفه الشديد وعجزه حتى عن حماية نفسه، والمسجونان يستظلان تحت جناحي الله، الأرض تتزلزل لأجلهما، والأبواب الحديدية تنفتح أمامهما، والقيود تتساقط!
v ألا تلاحظوا ما حدث في الحالة السابقة (إخراج الشيطان من الجارية) وما حدث هنا؟ هناك فتاة تحررت من روح (شرير)، فطُرحا في السجن لأنهما حرراها من الروح. هنا مجرد أظهرا الأبواب مفتوحة فانفتحت أبواب قلب حارس السجن. وانحل نوعان من القيود، فأشعل السجان النور الحقيقي، لأن النور الذى في قلبه كان مشرقا. واندفع إلى داخل وخرّ أمامهما. ولم يسأل: "كيف حدث هذا؟" بل في الحال سأل: "ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟"
قدم توجيهًا واضحًا وبسيطًا وفعالاً، وهو الإيمان بربنا يسوع المسيح، كبدء انطلاق وأساس حي لكل عبادة وسلوك. والعجيب أنه يطلب منه أن يؤمن فيخلص هو وأهل بيته، فإنه إذ يقبل الإيمان يكون له أثره على زوجته، ويكون الاثنان مسئولين على أولادهما، إذ يقدما لهم الإيمان الحي العملي خلال تربيتهما لهم.
مع كل ما صنعه الله من عجائب ليتمجد في رسوليه بولس وسيلا، من أجلهما زلزل الأرض، وفتح أبواب السجن، وحل القيود من الجميع، وعمل في قلب حافظ السجن وأهل بيته، إلا انه ترك الجراحات في جسميهما تحتاج إلى من يغسلها. لعل الله أراد أن يثبت الرسولين في تواضعهما، فلا يظنا بسبب هذا كله أنهما ليسا في حاجة إلى خدمة حافظ السجن. ترك الله الجراحات لكي ينال حافظ السجن بركة خدمة الرسولين.
رأينا قبلاً كيف أن الخرق والمآزر التي على جسم الرسول بولس كانت تشفي المرضي وتخرج الأرواح الشريرة بقوة السيد المسيح، بينما بقي الرسول نفسه مريضًا ولم يشفه الرب، بل حتى تلاميذه الأخصاء مثل تيموثاوس وغيره لم يكن يشفيهم. ما أبعد أحكام الله! وما أعجب حكمته وحبه لخلاص كل نفس، فهو يخشى على الرسول من الكبرياء، فيحفظه دومًا في تواضعٍ وانسحاقٍ!
تمتع السجان بأهم ثمار الروح، أي الفرح، "تهلل مع جميع بيته". سر فرحهم أنهم قبلوا الإنجيل، الأخبار السارة، وتمتعوا بالبنوة لله خلال العماد.
v غسلهما (من جراحاتهما)، واغتسل هو من خطاياه. أطعمهما، فاقتات هو. قيل "تهلل" مع أنه لم يوجد هناك سوى كلمات ورجاء صالح.
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن إيمان السجان وأهل بيته بهذه الصورة الرائعة هي معجزة أعظم من الزلزلة وفتح أبواب السجن وخروج الرسولين. إنه عمل الروح القدس الفائق في حياة الإنسان.
v من هو أردأ من السجان، من هو أكثر منه قسوة قلب، من هو أكثر منه توحشا؟ لقد أكرمهما بكرامة عظيمة. ليس لأنه صار في آمان وتهلل، بل لأنه آمن بالله |