الفصل الرسائلي لأحد العنصرة
إلى كلِّ الأرض خرجَ صوتُهم
ستيخن: السماوات تُذيع مجدَ الله
فصلٌ من أعمالِ الرسلِ القديسين الأطهار
لما حلّ يوم الخمسين كان الرسل كلّهم معاً في مكان واحد. فحدث بغتةً صوت من السماء كصوت ريحٍ شديدةٍ تعسف وملأ كل البيت الذي كانوا جالسين فيه، وظهرت لهم ألسنةٌ منقسمة كأنها من نارٍ فاستقرت على كل واحدٍ منهم. فامتلأوا كلّهم من الروح القدس وطفقوا يتكلمون بلغات أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا. وكان في أورشليم رجال يهود أتقياء من كل أمة تحت السماء. فلما صار هذا الصوت اجتمع الجمهور فتحيّروا لأن كلّ واحد كان يسمعهم ينطقون بلغته. فدهشوا جميعهم وتعجبوا قائلين بعضهم لبعض أليس هؤلاء المتكلمون كلهم جليليين فكيف نسمع كلٌّ منا لغته التي ولد بها. نحن الفرتيين والماديين والعيلاميين وسكان ما بين النهرين واليهودية وكبادوكية وبنطس وآسية وفرنجية وبمفيلية ومصر ونواحي ليبية عند القيروان والرومانيين المستوطنين واليهود والدُخلاء والكريتيين والعرب نسمعهم ينطقون بألسنتنا بعظائم الله
إنجيل أحد العنصرة المقدسة
فصلٌ شريفٌ من بشارةِ القديسِ يوحنا البشير
في اليوم الآخر العظيم من العيد كان يسوع واقفاً فصاح قائلاً. إن عطش أحد فليأتِ إليَّ ويشرب، من آمن بي فكما قال الكتاب ستجري من بطنه أنهار ماء حي، (إنما قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوهُ. إذ لم يكن الروح القدس بعد. لأن يسوع لم يكن بعد قد مُّجِد)، فكثيرون من الجمع لما سمعوا كلامه قالوا هذا بالحقيقة هو النبي. وقال آخرون هذا هو المسيح. وآخرون قالوا ألعلّ المسيح من الجليل يأتي. أَلم يقل الكتاب أنه من نسل داود ومن بيت لحم القرية حيث كان داود، يأتي المسيح، فحدث شقاق بين الجمع من أجله، وكان قوم منهم يريدون أن يمسكوهُ ولكن لم يُلْقِ أحد عليه يداً، فجاءَ الخدام إلى رؤساء الكهنة والفريسيين. فقال هؤلاء لهم لِمَ لم تأتوا به، فأجاب الخدام لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان، فأجاب الفريسيون ألعلكم أنتم أيضاً قد ضللتم، هل أحد من الرؤساء أو من الفريسيين آمن به. أما هؤلاء الجمع الذين لا يعرفون الناموس فهم ملعونون، فقال لهم نيقوديموس الذي كان قد جاءَ إليه ليلاً وهو واحد منهم. ألعلَّ ناموسنا يدين الإنسان إن لم يسمع منه أولاً ويعلم ماذا فعل، أجابوا وقالوا له ألعلك أنت أيضاً من الجليل ابحث وأنظر أنه لم يقم نبي من الجليل، ثم كلمهم يسوع قائلا أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلام بل يكون له نور الحياة
تفسير الانجيل
الوعد بحلول الروح القدس
الذين التصقوا بموسى النبي شربوا ماءً من الصخرة في البرية حيث كانت الصخرة تتبعهم وتفيض عليهم بما يرويهم، أما من يؤمن بالسيد المسيح فيحمل الصخرة في داخله، وينطلق الفيض لا من الخارج بل من بطنه، أي من إنسانه الداخلي حيث يُقام ملكوت الله. يدعو اليهود الماء الجاري ماءً حيًا، لأنه دائم الحركة، لن يتوقف عن الحركة. هكذا إذ يوجد السيد المسيح في القلب يتمتع المؤمن بنعمة فوق نعمة، تفيض هذه النعم على من هم حوله (أم ١٠: ١١). فلا يكفينا أن نشرب من المجرى الذي في داخلنا، لنستريح بالنعمة الإلهية المعطاة لنا، وإنما يلزم أن يفيض هذا المجرى الداخلي ليروي الكثيرين. الأرض الجافة المقفرة ليس فقط تتحول إلى فردوسٍ، وإنما تفيض بمياهها على نفوس جافة كثيرة لتشاركها الطبيعة الفردوسية الجديدة. في اليوم الأخير من العيد وقف السيد المسيح يقدم دعوة للشعب العائد إلى بيوتهم، قدمها علانية مناديًا بصوتٍ عالٍ. في الأيام الأولى للعيد يقدمون ذبائح من أجل السبعين دولة في العالم، أما اليوم الأخير فمخصص لإسرائيل وحده. لهذا كان اليوم الثامن يُحسب "العظيم"، له تقديره الخاص.
v إنه لا يقول: "يجب أن تشربوا، يجب أن تجروا، أردتم أو لم تريدوا"، بل من كان راغبًا وقادرًا على الجري والشرب، فسيغلب ويرتوي.
القديس جيروم
v إنه ليس بالأمر التافه أننا نقرأ أن نهرًا ينبع من عرش اللَّه، إذ تقرأون كلمات الإنجيلي يوحنا في هذا الفحوى: "وأراني نهرًا صافيًا من ماء حياة لامعًا كبلّورٍ خارجًا من عرش اللَّه والخروف. في وسط سوقها، وعلى النهر من هنا ومن هناك شجرة حياة تصنع اثنتيّ عشر ثمرة، وتعطي كل شهر ثمرها، وورق الشجرة لشفاء الأمم" (رؤ 1:22-2). هذا بالتأكيد النهر الصادر عن عرش اللَّه، أي الروح القدس الذي يشرب منه من يؤمن بالمسيح كما قال المسيح نفسه (37-38).
القديس أمبروسيوس
v إذ ينتهي الأمر بأن يكون على المرء أن يأخذ كل شيء من داخل النهر أو الوادي، وأن يتهلل بذلك، نقول أن ربنا يسوع المسيح يُقارن بنهرٍ، فيه نجد كل مسرة وتمتع في الرجاء، وفيه نفرح فرحًا روحيًا إلهيًا.
القديس كيرلس الكبير
v إن كنا عطشى فلنأتي، لا بأقدامنا بل بعواطفنا. لنأتي لا بالتحرك من موضعنا بل بالحب. بالرغم من أنني حسب الإنسان الداخلي من يحب يتحرك أيضًا من مكانٍ؛ من غيَّر مكانه يهجر بجسده ذلك بحركة القلب. إن كنت شيئًا ما وكنت قبلاً تحب شيئًا آخر فأنت الآن لست في ذات الموضع الذي كنت فيه.
القديس أغسطينوس
v إن الروح بالرغم من اتحادها مع اللّه فهي لا تشعر بملء السعادة بطريقة مطلقة. كلما تمتعت بجماله زاد اشتياقها إليه. إن كلمات العريس روح وحياة (يو 24:5)، وكل من التصق بالروح يصير روحًا. كل من التصق بالحياة ينتقل من الموت إلى الحياة كما قال الرب.
وهكذا فالروح البكر تشتاق دائمًا للدنو من نبع الحياة الروحية. النبع هو فم العريس الذي تخرج منه كلمات الحياة الأبدية. إنه يملأ الفم الذي يقترب منه مثل داود النبي الذي اجتذب روحًا خلال فمه (مز 131:118). لما كان لزامًا على الشخص الذي يشرب من النبع أن يضع فمه على فم النبع، وحيث أن الرب ذاته هو النبع كما يقول: "إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب" (يو 37:7)؛ لذلك فإن الأرواح العطشانة تشتهى إن تضع فمها على الفم الذي ينبع بالحياة، ويقول: "ليقبلني بقبلات فمه" (نش 2:1). من يهب الجميع الحياة ويريد إن الجميع يخلصون يشتهى أن يتمتع كل واحد بنصيب من هذه القبلات، لأنها تطهر من كل دنس.
v يلزمنا أن نفكر بعمقٍ في الكلمات المقدسة بالنشيد: "هلمي معي من لبنان، هلمي معي من لبنان انظري من رأس أمانة، من رأس شنير وحرمون، من خدور الأسود من جبال النمور" (نش 8:4).
ماذا نفهم إذن من هذه الكلمات؟ يجذب ينبوع النعمة إليه كل العطشى. وكما يقول الينبوع في الإنجيل: "إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب" (يو 37:7).
لا يضع المسيح لهذه الكلمات حدودًا لعطشنا ولا لتحركنا نحوه/ ولا لارتوائنا من الشرب، ولكن يمتد أمره إلى مدى الزمن، ويحثنا أن نعطش وأن نذهب إليه. وإلى هؤلاء الذين ذاقوا وتعلموا بالتجربة أن اللّه عظيم وحلو (مز 8:34)، فإن حاسة الذوق عندهم تُصبح حافزًا لزيادة التقدم. لذلك فالشخص الذي يسير باستمرار نحو اللّه لا ينقصه هذا الحافز نحو التقدم.
v إذا أردنا أن نسوق شاهدًا أعظم من الكتاب المقدس نسجل ما قاله السيد المسيح إلى هؤلاء الذين آمنوا به: أنهار ماء حي ستفيض من كل من يؤمن به "من آمن بي كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حي" (يو 38:7). وتُضيف أن القلب النقي يُشار إليه بالتعبير "بطن". ويصبح لوح للشريعة المقدسة (رو 15:2) كما يقول الرسول. ويوضح تأثير الشريعة المكتوبة في القلب ليس بحبرٍ (2 كو 3:3)، ولكن بروح اللّه الحي الذي يرسم هذه الحروف في النفس، وليس على ألواح حجرية كما يقول الرسول، ولكن على لوح القلب النقي، الخفيف والمضيء.
يلزم أن تُنقش الكلمات المقدسة الموجودة في الذاكرة النقية الصافية، على القدرة القائدة للنفس، بحروف بارزة واضحة. تُشير الزفير في الحقيقة إلى تمجيد بطن العريس فقط باللوح الذي يشع نورًا بلون السماء.
ترشدنا هذه الصورة لكي نكون متنبهين للأشياء السماوية، مكان كنزنا (مت 21:6). فإذا ثبتنا في حفظ وصايا اللّه تتكون لدينا آمال مقدسة تنعش عيون نفوسنا.
v بعد ذلك يرفع النشيد العروس إلى أعلى قمة للمجد، مُضفيًا عليها اسم ينبوع المياه الحيّة المتدفقة من لبنان. لقد تعلمنا من الكتاب المقدس عن طبيعة اللّه المعطية للحياة كنبوة من شخص اللّه تقول: "تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة" (إر 13:2). ثم يقول السيد المسيح للمرأة السامرية: "أجاب يسوع وقال لها، لو كنت تعلمين عطية اللّه، ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب، لطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماء حيّا" (يو 10:4). ثم قال: "إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه" (يو 37:7-39).
تقول كل من هذه الفقرات أن الماء الحي هو الطبيعة المقدسة، لذلك جاز للنشيد أن يسمى العروس بصدق بئر ماء حي يفيض من لبنان. هذا في الحقيقة يتعارض مع ما هو معروف، فجميع الآبار تحتوى مياه ساكنة، والعروس وحدها عندها مياه جارية في بئر عميق، ومياهها تفيض باستمرار.
من يقدر ويستحق أن يفهم العجائب الممنوحة للعروس؟ يتضح أنها قد وصلت إلى أقصى ما تتمناه، فقد قورنت بالجمال الأبدي الذي منه نشأ كل جمال. وفي نبعها تشبه نبع عريسها تمامًا، وحياتها بحياته، وماؤها بمائه. إن كلمته حية، وبها تحيا كل نفس تستقبله. هذه المياه تفيض من اللّه كما يقول ينبوع المياه الحيّة: "لأني خرجت من قبل اللّه وأتيت" (يو 42:8). تحفظ العروس فيض مائه الحي في بئر نفسها، وتصبح بيتًا يكنز هذه المياه الحيّة التي تفيض من لبنان، أي التي تكوّن سيولاً من لبنان، كما يقول النص.
لقد أصبحنا في شركة مع الله بامتلاكنا هذه البئر، حتى نحقق وصية الحكمة (أمثال 17:5، 18)، ونشرب مياها من بئرنا، وليست من بئرٍ آخر. نتمتع بهذا في المسيح ربنا له المجد والعظمة إلى الأبد آمين.
القديس غريغوريوس النيسي
يشار إلى الرب أنه نهر يفيض بنعمته ليروي ظمأ بني البشر (مز ٣٦: ٧-٨) يفيض على الأمم بالسلام والمجد (إش ٦٦: ١٢LXX ). من يؤمن بي ويقبلني بكوني المسيا الذي تنبأت عنه الأسفار المقدسة، فإنه يسكن في قلبه أو في أحشائه الروح القدس الذي يفيض حياة. يصير ينبوعًا يفيض بثمار الروح من حب وفرح وسلام وحرية واستنارة. وقد اعتاد اليهود أن يشبهوا عمل الروح القدس بالمطر المبكر والمتأخر والينابيع والآبار والأنهار الخ (مز ٣٦: ٨-٩؛ إش ٤٤: ٣-٤؛ يوئيل ٢: ٢٣). بقوله "إن عطش" يعني من يشعر بفقره إلى البرّ أو احتياجه إلى البركات الروحية أو بالفراغ الداخلي. "فليقبل إليّ ويشرب"، لا يقف بعد عند رئيس الكهنة ويُعجب بالإناء الذهبي الذي يسكب منه قليلاً من ماء بركة سلوام، ولا يذهب إلى الفلسفات الوثنية الكثيرة والمتضاربة التي لها من جاذبية تخدع الإنسان، بل ليأتي إلى السيد المسيح كما قدمه لنا الكتاب المقدس بعهديه.
v مجازاة الإيمان عظيمة وبلا نهاية، يقول من يؤمن ينعم بأغنى نعم الله، لأنه سيمتليء بعطايا الروح، فلا يسمن ذهنه فقط، بل يصبح قادرًا على أن يفيض على قلوب الآخرين، كتيار النهر المتدفق الذي يفيض بالخير المُعطى من الله على جاره أيضًا.
القديس كيرلس الكبير
v يوجد عطش داخلي وتوجد بطن داخلية، إذ يوجد إنسان داخلي. هذا الإنسان الداخلي بالحق هو غير منظور، أما الإنسان الخارجي فمنظور، لكن الداخلي أفضل من الخارجي. ما لا يُرى يُحب أكثر، فإنه بالتأكيد أن الإنسان الداخلي يُحب أكثر من الخارجي.
v ما هو الينبوع، وما هو النهر الذي يفيض من بطن الإنسان الداخلي؟ الميل إلى الخيرية، الذي به يراعي الإنسان الاهتمام بأخيه. فإن تصوّر أن ما يشربه يلزم أن يكون لشبعه هو وحده لن يكون فيض من المياه الحيّة من بطنه، لكنه إن أسرع إلى الاهتمام بصالح قريبه لا يكون جافًا بل كون فيه فيض.
القديس أغسطينوس
v يقصد بالبطن هنا القلب... أين يوجد في الكتاب المقدس أن أنهارًا لمياه حية تفيض من بطنه؟ لا يوجد.
فماذا إذن يعني: "من آمن بي كما يقول الكتاب"؟ هنا يلزمنا أن نتوقف فقد يكون القول: "تجري من بطنه أنهارًا" تأكيد أنه عن المسيح. فكثيرون قالوا: "هذا هو المسيح"، و"عندما يأتي المسيح، هل يصنع معجزات أكثر"؟ إنه يظهر الحاجة إلى معرفة صحيحة، وأن يقتنعوا لا من المعجزات بل من الكتاب... لقد سبق فقال: "فتشوا الكتب" (5: 39) وأيضًا: "مكتوب في الأنبياء"، و"يكون الكل متعلمين من الله" (6: 45)، "موسى يشكوكم" (5: 45)، وهنا يقول:" كما قال الكتاب، تجرى من بطنه أنهار"، ملمحًا نحو عظمة النعمة وفيضها... وقد دعاها في موضع آخر "حياة أبدية" أما هنا فيدعوها "أنهار ماء"... فإن نعمة الروح إذ تدخل الذهن وتقيم، تفيض أكثر من أي ينبوع.
إنها لن تتوقف ولن تفرغ... فلكي يعني إنها تقدم عونًا لا ينضب، وفي نفس الوقت طاقة لا تخيب، دعاها "بئرًا" وأنهارًا، ليست نهرًا واحدًا، بل هي أنهار لا تُحصى. يمكن للشخص أن يدرك بوضوح ما تعنيه إن وضع في اعتباره حكمة اسطفانوس ولسان بطرس وغيرة بولس.
القديس يوحنا الذهبي الفم
v هكذا يؤمر النبي من الرب أن يعبر إلى النهر (١ مل ١٧: ٢) لكي يشرب من العهد الجديد ليس فقط بنهر بل "تجري من بطنه أنهار مياه حية" (٣٨)، أنهار فهم، أنهار تأمل، أنهار روحية، هذه التي تجف في زمن عدم الإيمان لئلا يشرب مدنسو المقدسات وغير المؤمنين. في ذلك الموضع عرف الغربان ما لم يعرفه اليهود. أطعمة الغربان، ذاك الذي اضطهده الجنس الملوكي الشريف.
لا يبخل الله بروحه على البشرية، فقد خلق الإنسان ليعمل روح الله فيه، ويستقر فيه. لكن الإنسان بإرادته أعطى ظهره له ولم يقبله، فصار الروح أشبه بضيفٍ يعمل في رجال الله وفي الأنبياء، بل وأحيانًا حتى في غير المؤمنين كي يجتذبهم للإيمان. أما وقد تمجد الرب على الصليب ودفع الثمن لغفران خطايانا وتمجيدنا فيه، وهب الروح بفيض كما سبق فوعد في يوئيل ٢: ٨.
الروح القدس هو العطية العظمى، بل واهب العطايا الذي نلنا وعدًا بحلوله على الكنيسة وسكناه في قلب المؤمن، وتوزيع مواهب وعطايا حسبما شاء، لمجد الله وبنيان الكنيسة وخلاص النفوس.
يرى القديس أغسطينوس أن الروح القدس قد حلّ على كثيرين قبل أن يتمجد يسوع بقيامته، مثل سمعان الشيخ وحنّة النبيّة والقديسة مريم عند التجسد الإلهي، لكن حلول الروح القدس بعد القيامة جاء حلولاً عامًا على الكنيسة في عيد العنصرة حيث نطقت بكل لغات الأمم. لكن لماذا لا ينال المؤمن النطق بكل لغات الأمم عند عماده الآن ونواله الروح القدس؟
يجيب القديس أغسطينوس بأنه إذ انتشرت الكنيسة في العالم صار المسيحيون ينطقون بكل لغات العالم، فكل مسيحي كعضو في الكنيسة الجامعة يحسب نفسه كمن يتكلم بكل لغات الأمم، لأن ما ينطق به اخوته كأنما ينطق به هو كعضوٍ في الجسد الواحد.
مرة أخرى يقول القديس أغسطينوس أنه بعد قيامته وهبنا الروح القدس الذي به نحب الكنيسة ونتمتع بوحدتها وحبها، وبهذا ننعم بالقيامة معه، حيث نهاجر بقلوبنا العالم لنحيا معه في السماء. [يكون لنا الروح القدس إن كنا نحب الكنيسة، لكننا نحب الكنيسة إن ثبتنا في وحدتها وحبها... نحن هنا نولد ونموت، ليتنا لا نحب هذا العالم، بل نهجره بالحب، بالحب نسكن في الأعالي، بذات الحب الذي به نحب اللَّه. في هذه الرحلة لحياتنا ليتنا لا نفكر في شيء غير أننا لن ندوم هنا، وأنه بالحياة الصالحة نعد لأنفسنا موضعًا حيث لا نهجره قط].
إن كان الروح لم يكن قد أُعطي بعد، فكيف صنع الأنبياء في العهد القديم معجزات؟ أليست هي من عمل الروح القدس الساكن فيهم؟ وكيف مارس تلاميذ الرب المعجزات قبل حلول الروح القدس عليهم؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله: [لم يخرجوا الشياطين بالروح، بل صنع بعضهم ذلك بالسلطان المعُطي لهم].
"أرسلهم": لم يذكر: "أعطاهم الروح القدس" بل "أعطاهم سلطانًا" (مت 10:1) لكي يطهروا برص ويقيموا موتى ويخرجوا شياطين، بنفس الطريقة بالنسبة للأنبياء. في حالة الأنبياء يعترف الكل أن هذه العطية هي من الروح القدس. لكن هذه العطية محدودة وكانت ترحل، وناقصة على الأرض... فكان الروح القدس محتفظ بها (لأشخاص معينين). [أما المستقبل فصار بفيضٍ].
v دعي الصليب "مجدًا"... فكان من الضروري تقديم الذبيحة عنا أولاً، حتى تُنزع العداوة التى في جسدنا، فنصير أصدقاء الله، وعندئذ نتقبل العطية.
v الروح القدس هو النهر الذي يفيض - حسب العبرانيين - من المسيح إلى الأراضي. وقد قبلنا هذا كما تنبأ فم إشعياء (إش 12:66). هذا النهر العظيم الذي يفيض على الدوام ولن يتوقف، ليس فقط نهرًا بل هو أيضًا أحد المجاري الغزيرة التي تفيض عظمة، كما قال داود: "مجرى النهر يفرح مدينة اللَّه" (مز 4:46). فإنه لا ترتوي تلك المدينة، أورشليم السماوية بقناة، أي بنهرٍ أرضيٍ، بل بذاك الروح القدس المنبثق من مصدر الحياة. المجرى الذي يصدر عن ذاك الذي يشبعنا، يبدو أنه يفيض بوفرة بين العروش السماوية والسيادات والقوات والملائكة ورؤساء الملائكة، جاريُا في أكمل نصيب لفضائل الروح السبع.
القديس أمبروسيوس
v بدأ الله الآب يعطي الروح من جديد، وكان المسيح أول من قبل الروح كباكورة الطبيعة المتجددة، لأن يوحنا شهد قائلاً: "إني قد رأيت الروح نازلاً من السماء فاستقر عليه" (يو ١: ٣٢)... لم يقبل المسيح الروح لأجل نفسه، بل بالأحرى لأجلنا نحن فيه، لأن كل الصالحات تفيض أيضًا فينا بواسطته.
لأنه إذ حاد جدنا آدم بالخديعة فسقط في العصيان والخطية لم يحفظ نعمة الروح. وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المُعطى لها من الله، لهذا يلزم أن الله الكلمة غير المتغير يصير إنسانًا حتى إذا ما نال كإنسان يمكنه أن يحفظ الصلاح في طبيعتنا على الدوام. ودليلنا في تفسير هذه الأسرار هو المرتل الإلهي نفسه، إذ يقول للابن: "أحببت البرّ وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك" (مز ٤٥: ٧).
v في الأنبياء القديسين بريق غني خاص، يستمدونه من مصدر الاستنارة من الروح القدس، القادر أن يقودهم إلى إدراك أمورٍ عتيدة ومعرفة أنباء مخيفة. لكننا نثق أن الذين يؤمنون بالمسيح لا يكون لهم مجرد استنارة من الروح القدس، بل الروح نفسه يسكن ويجعل إقامته فيهم... لنفهم أنه يعني سكنى الروح القدس في البشر كاملة وبالتمام.
القديس كيرلس الكبير
قال البعض إنه النبي العظيم الذي تحدث عنه موسى النبي (تث ١٨: ١٥)، لكن للأسف لم يكونوا قادرين على إدراك أن النبي هنا يقصد به المسيا مخلص العالم. وقال آخرون أنه المسيح.
إذ تنبأ العهد القديم بأن المسيح قادم من سبط يهوذا من بيت داود تشكك البعض في أمره، هؤلاء الذين لم يعرفوا أنه وُلد في بيت لحم وظنوا أنه وُلد في الجليل. يقول القديس كيرلس الكبير أن الجموع كما الفريسيين كانوا يفتقدون الدقة في هذا الأمر، حيث ظنوا أن ما وعد الله به موسى بأنه سيقيم نبيًا من وسط شعبه مثله (تث ١٨: ١٨) شخص آخر غير المسيح. وبسبب عدم الدقة ظن الفريسيون أن ثلاثة يظهرون، إذ قالوا للقديس يوحنا المعمدان: "ما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟" (يو ١: ٢٥).
لقد عرف اليهود أن السيد المسيح يأتي من نسل داود (مز ١٣٢: ١١)، وأنه يولد في بيت لحم (مي ٥: ٢) لكن كما يقول القديس كيرلس الكبير إذ أُشيع عن يسوع أنه تربى في ناصرة الجليل (يو ٤: ١٦) سقطوا عن الحق وأعوزهم التفكير السليم.
v بسبب انشقاقهم لم يعرفوا المسيح ولا فهموا دقة الكتاب المقدس، لأنهم لو آمنوا أن يسوع هو نبي الناموس، لما سقطوا في هذا الجدل غير اللائق.
نتيجة هذا المقال حدث انشقاق في الجمع بسببه إلى أربعة فرق: فريق حسبه النبي وليس المسيح، وفريق حسبه المسيح، والثالث رأى فيه علامات المسيح لكنهم تعثروا بسبب ظنهم أنه من الجليل، أما الفريق الرابع فهو الذي تبع الرؤساء وأرادوا القبض عليه ولم يستطيعوا.
v لم يلق أحد عليه الأيادي، ليس توقيرًا له، بل لأن قدرته وحدها أوقفتهم.
إذ كان اليوم الأخير العظيم من العيد لم يكن ممكنًا أن يصبغ عليهم روح الفرح والبهجة، لأنهم حرموا أنفسهم من السيد المسيح ينبوع الفرح.
بينما مارس رئيس الكهنة طقس العيد، لكن كل ما كان يشغله هو والكهنة والفريسيون لا أن يتمتع الشعب بحب الله ويتعرفوا على سرّ العيد، إنما أن ينشغل الشعب بالمظاهر، بينما يخطط الرؤساء مكيدة. في نظرهم السياسات الكنسية أهم من كل عملٍ روحي. جلسوا في حجرة الجلسات الخاصة مترقبين مجيء خدام الهيكل موثقين يسوع كسجين.
إذ بعثوا بالخدام (جند الهيكل) للقبض عليه أصابهم الخوف حين رأوهم قادمين بدونه. دُهشوا حين وجدوا الخدام قد حضروا دونه، ولعلهم ظنوا أنه كعادته في هذه الأحوال كان يختفي منهم حتى تحين الساعة.
لم يكونوا يتوقعون أن خدام الهيكل أنفسهم ينجذبوا إليه، ويشهدوا له في جرأة قائلين أمام المجمع: "لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان". ربما تبع الخدام السيد منذ فترة مجيئه في وسط العيد، وقدر ما أنصتوا إليه لكي يجدوا علة يمسكونه بها اقتنعوا بالأكثر أنه بار مملوء حكمة سماوية.
قيل لهم من الرؤساء أنه نبي كاذب ومضل، لكنهم إذ سمعوه تعلقوا به، وأدركوا أنه يعلم بالحق، وكل الحق، وليس شيئًا سوى الحق.
v يمكننا أن نفترض أن كلمات الخدام كانت ذاخرة بالتعقل هكذا: إن كنا نرضي أنفسنا بتعليم الكتب المقدسة، وإن كنا نفتخر أننا تهذبنا بالنواميس الإلهية، وإن كنا نتعجب للحكمة كخيرٍ غير أرضي، لماذا في شرٍ نطرد من له هذه الحكمة، ونُوصم بخطأ ليس بقليل ذاك الذي ينبغي ألا نتهمه، بل بالأحرى نحن مدينون له بمحبة خاصة؟ أجل ونحن نخضع لمخاطر الناموس متعطشين أن نقتل بريئًا بارًا (خر ٢٣: ٧) بدون سبب.
أعتقد أن بالنسبة للعبارة: "لم يتكلم قط إنسان هكذا" يمكن للمرء أن يقول شيئًا ما أقرب إلى الموضوع، لأنهم يقولون تقريبًا هكذا: ليس من المعقول أن تلومونا نحن الذين لم نأتِ إليكم الآن بمن تطلبونه. لأنه كيف يمكن لإنسانٍ أن يقاوم، حتى ولو ضد إرادته، إنسان هو بحسب كلماته إله؟
لأنه لم يتكلم كإنسانٍ، ولا كانت كلماته كلمات إنسانٍ، بل هي بصواب تخص ذاك الذي هو بالطبيعة الله.
فليقل أي أحد إن كان أحد الأنبياء القديسين يقدر أن يسمي نفسه نهرًا أو يجرؤ على القول: إن عطش أحد فليأتِ ويشرب منه؟ متى قال لنا القدير موسى: "من آمن بي، تخرج من بطنه أنهار ماء حي"؟... كيف لنا أن نمسكه ضد مشيئته، هذا الذي أعلى منا بما لا يقاس، كإله فوق الإنسان؟
هكذا قدم الخدام برهانًا واضحًا على أن الرب هو الله بالطبيعة... وهكذا سددوا ضربة من كل جانب إلى مقاومي الله.
v ها هم رؤساء الكهنة والفريسيون الذين كانوا يظنون أنهم أحكم من غيرهم، وقد حضروا عند المسيح وأبصروا عجائبه، وقرأوا الكتب ولم يفيدهم ذلك نفعًا، بل أصابهم ضرر.
أما خدامهم فقد اصطادهم خطاب واحد من السيد المسيح، سمعوه مع الجمع، وكانوا قد ذهبوا إليه لكي يقبضوا عليه، فعادوا من عنده مربوطين متعجبين منه.
ليس لنا أن نمدح فهمهم فقط، لأنهم لم يحتاجوا إلى آيات، لكن تعليمه وحده اقتنصهم. لأنهم لم يقولوا أنه لم يفعل إنسان في وقت من الأوقات عجائب مثل هذا، لكنهم قالوا "لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان"، فلا ينبغي إذًا أن نتعجب من فهمهم فحسب، لكن سبيلنا مع ذلك أن نتعجب من مجاهرتهم، لأنهم قالوا هذه الأقوال للفريسيين الذين أرسلوهم.
كلماتهم ليست كلمات أناسٍ معجبين به فحسب، بل من يلومون أيضًا سادتهم، لأنهم يقاومون دون أن يسمعوا. مع أنهم لم يسمعوا عظة بل حديثًا مقتضبًا، فإنه في العظة الطويلة يأخذ العقل قراره بلا تحيز فلا تكون حاجة إلى حوارات طويلة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
لا عجب إن كانت المسيحية منذ نشأتها الأولى وإلى الآن يظن البعض أنها تضلل، من يقبلها قد ضل.
v تأملوا كيف أن هذا القول مفعم بنوعٍ من اليأس من أي رجاء فيما يخص الشعب... ما الذي أبعدكم عن محبتكم لنا بالرغم من أنكم قد نشأتم في نفس عدم الإيمان معنا؟
مقياس الحق عندهم هو قبول عدد كبير من الرؤساء له، فإذ لم يؤمن به إلاَّ قلة قليلة منهم، مع إيمان الكثيرين من عامة الشعب فهذا في نظرهم دليل على أنه مضل وليس فيه الحق.
يتعجب القديس يوحنا الذهبي الفم كيف حسبوا هذا اتهامًا ضد المسيح وليس ضد رفض الرؤساء والفريسيين الإيمان به.
كان الفريسيون يحتقرون الشعب، لذا إيمانهم بالسيد المسيح لا يُعتد به، وحسبوهم غير فاهمين للناموس وملعونين.
كانت القيادات الدينية في ذلك الحين حتى مع وجود تعارض في الفكر، وصراع داخلي فيما بينهم إلا انهم يتفقون معًا في نظرتهم إلي الشعب غير المتعلم باستخفافٍ شديدٍ واحتقارٍ. عوض أن يلوموا أنفسهم أنهم أهملوا في رعايتهم وتعليمهم يحسبون الشعب ملعونًا. يلقوا باللوم علي الشعب في جهله عوض اللوم علي أنفسهم في تخليهم عن عملهم التعليمي.
v سقط (الفريسيون) في تفاخرهم المعتاد، ملقين بتهمة الجهل على الذين تعجبوا من يسوع كصانع عجائب، وكآت بأمورٍ إلهية، ومتوجين هامتهم وحدهم بالخدمة حسب الناموس ومعرفة الكتب المقدسة... يتباهون كثيرًا بأنفسهم، وقد طاشت عقولهم، ولخفتهم الشديدة يوصمون الجميع بالجهل هكذا بسهولة.
القديس كيرلس الكبير
v أيها الفريسيون، إن هذا لوم عظيم لكم، إذ آمن الجمع بالسيد المسيح، وأنتم أنكرتموه. لقد مارسوا أفعال من يعرفون الشريعة فكيف يكونون ملعونين؟ بالحقيقة أنتم الملعونون لأنكم لم تحفظوا الشريعة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
كان نيقوديموس فريسيًا وأحد رؤساء اليهود. هكذا لم يترك الله نفسه بلا شاهد حتى وسط فساد مجمع السنهدرين؛ وفي قصر نبوخذنصر وُجد دانيال النبي؛ وفي قصر ارتحشستا وُجد نحميا. وجد أيضًا حوشاي بين مشيري أبشالوم الأشرار كأداة تحول مشوراتهم الشريرة إلى غباوة.
احتج نيقوديموس على بطلان الإجراءات التي اُتخذت ضد يسوع، إذ هي مخالفة للناموس.
v أظهرهم نيقوديموس أنهم لا يعرفون الشريعة ولا يعملون بها، لأن الشريعة لم تأمر بقتل إنسانٍ لم يكن قضاتها قد سمعوا كلامه أولاً، وهؤلاء قد نهضوا إلى القتل قبل استماع الكلام، فلذلك هم عاصون للشريعة.
v انزعج بعض الشيء إذ حُسب ملعونًا معهم، لأن الضمير يسرع بألا يبقى صامتًا حيال الأمور المضادة له... عاد عليهم بالإهانة نفسها ليس صراحة، بل راح يخاطبهم معترضًا بكلماتٍ تستمد قوتها من الناموس، وليس بشكلٍ علنيٍ مكشوفٍ.
القديس كيرلس الكبير
مع أن نيقوديموس لم يترك عضويته في مجمع السنهدرين ليتبع السيد المسيح كتلميذٍ له، إلاَّ أنه شهد له في وسط المجمع في أحلك اللحظات.
قام حوارهم على أخطاء كثيرة بجانب حسدهم وشرهم. فحسبوا يسوع من الجليل مع أنه مولود في بيت لحم من بيت داود. وظنوا أن أغلب التلاميذ جليليون مع أنه كان له تلاميذ كثيرون في اليهودية. أيضًا ادعوا أنه لم يقم نبي من الجليل غير أن إيليا النبي كان من جلعاد.
v باطلاً يقول الفريسيون عن المسيح مخلصنا "إنه لم يقم نبي من الجليل"، لأنه كان الأحرى بهم أن يستفسروا كيف وهو الذي جاء من أبوين يهوديين (يو ٦: ٤٢) أن يكون جليليًا، وأن يأخذوا في الاعتبار أخيرًا أنه تربى في الناصرة، ولا يضلون عن الإيمان به لهذا السبب.
v قول الفريسيين لنيقوديموس: "فتش وانظر" كأنهم قالوا له اذهب وتعلم، أي أن نيقوديموس لم يعرف قولاً ليس في الكتاب.
"ثم كلمهم يسوع أيضًا قائلاَ: أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نور الحياة". (12)
إذ انسحب المشتكون الذين أرادوا أن يسببوا اضطرابًا وبلبلة وسط الجمع ثم انسحبت المرأة أكمل السيد المسيح تعليمه للشعب، وغالبًا ما لخص حديثه بالعبارة: "أنا هو نور العالم..." (١٢). بدونه يبقى الكل في الظلمة والبؤس والموت. لقد أدرك الفريسيون أن ما يعنيه بهذا أنه المسيا المنتظر، إذ رمز إليه الأنبياء بالنور (إش ٦٠: ١؛ ٤٩: ٧؛ ٩: ٩). جاء في Bamidbar Rabba: "قال الإسرائيليون لله يا رب المسكونة، أنت أمرت أن توقد أسرجة لك، أنت هو نور العالم. وبك يسكن النور". "لا يسلك في الظلمة"، أي يخلص من الجهل والخيانة والخطية.
يرى البعض أن الحديث هنا يشير إلى عادة كان يمارسها اليهود حيث يضيفون إلى عيد المظال يومًا تاسعًا فيه يُخرجون كل الكتب المقدسة من الصناديق المودعة فيها ويضعون مكانها مشاعل منيرة إشارة إلى ما جاء في أم ٦: ٢٣ "لأن الوصية مصباح، والشريعة نور، وتوبيخات الأدب طريق الحياة".
يرى كثير من الدارسين أن من أهم الذكريات لعيد المظال هو سكب الماء بيد رئيس الكهنة كما رأينا في الأصحاح السابق، وممارسة طقس "النور" تذكارًا لعمود النور الذي كان يتقدم الشعب في البرية ليقودهم وسط ظلمة الليل (خر ١٣: ٢١) حتى يعبروا إلى كنعان حسب الوعد الإلهي.
كانوا يستخدمون في هذا العيد شمعدانًا ضخمًا ذا فروع. كانت تستخدم أربعة أسرجة تُملأ بالزيت، كانوا يصعدون إليها بواسطة سلم. وقد جاء في التلمود أن ارتفاعها خمسون ذراعًا. وكان النور بهيًا جدًا، فجاء في المشناة Mishah: "لا توجد ساحة دار في أورشليم لا ينعكس عليها النور". هذا المنظر البرَّاق كان نادرًا جدًا في المدن القديمة.
يرى بعض الدارسين أن هذا الشمعدان يُطفأ بعد العيد، وقد وقف السيد هناك حيث انطفأ النور الذي أبهر القادمين للعيد، وحلت الظلمة عوض النور، ليعلن عن الحاجة إلى النور الإلهي، إلى المسيا عبد الرب بكونه نورًا جاء للأمم.
جاء في إشعياء النبي: "أنا الرب قد دعوتك للبرّ، فأمسك بيدك وأحفظك، وأجعلك عهدًا للشعب، ونورًا للأمم، لتفتح عيون العمي، لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن، الجالسين في الظلمة" (إش ٤٢: ٦-٧). "قد جعلتك نورًا للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض" (إش ٤٩: ٦). "حقي أثبته نورًا للشعوب" (إش ٥١: ٤).
إذ فسَّر الربيون قول المرتل: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف" (مز ٢٧: ١)، بأن الناموس هو النور، أعلن السيد أنه هو الكلمة الإلهي، نور العالم، الذي يضيء لكل إنسانٍ آت إلى العالم.
وإذ قالوا أن الهيكل هو "النور" سألهم السيد أن ينقضوا الهيكل ليبنيه في ثلاثة أيام (يو ٢: ٢٠)، معلنًا عن هيكل جسده القائم من الأموات، بكونه الهيكل الذي يضم الخليقة الجديدة المستنيرة بنور قيامته.
وعندما تحدث الإنجيلي يوحنا عن الهيكل السماوي قال: "الرب الله القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها... لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها" (رؤ ٢١: ٢٣، ٢٤).
يشبه السيد المسيح حياة الإنسان برحلة وسط عالمٍ مظلمٍ، يحتاج إلى شمس البرّ، تشرق عليه وترافقه فلا يتعثر في الطريق. يليق بالمؤمن أن يتبعه ويسترشد به في كل أمور حياته. إنه النور الحقيقي الذي نجد سلامنا في التطلع إليه ومصاحبته والإيمان به والسير فيه، ليكون سراجًا ليس لعيوننا فقط بل ولأرجلنا، سراج لكل كياننا. يقودنا في هذا العالم ويرفعنا بروحه القدوس إلى السماء فنتمتع بعربون الأبدية.
v أوضح أنه ليس هو أحد الأنبياء، لكنه سيد العالم، وليس هو نور الجليل ولا فلسطين ولا اليهودية، بل "نور العالم".
القديس يوحنا الذهبي الفم
v إن كنا أساقفة الله والمسيح لا أجد أن أحدًا ما يُلزمنا أن نتبعه أكثر من الله والمسيح، إذ هو نفسه في إنجيله
يؤكد قائلاً: "أنا نور العالم، من يتبعني لا يسلك في الظلمة بل يكون له نور الحياة" (١٢).
الشهيد كبريانوس
v أظن ما يقوله الرب: "أنا هو نور العالم" [12] واضح لمن لهم أعين يشاركون بها هذا النور، أما الذين ليس لهم أعين سوى الأعين التي في الجسد وحدها فيندهشون لقول الرب يسوع المسيح: "أنا هو نور العالم".
v يوجد نور هو خالق لنور الشمس. لنحب هذا النور، ونشتاق أن ندركه، ونعطش إليه، حتى يقودنا ويبلغ بنا إليه، وهكذا نعيش فيه فلن نموت...الذي يشرق عليك لكي تنظره، هو بعينه (الينبوع) الذي يفيض عليك فترتوي...حتى عندما لا يُعلن ربنا يسوع المسيح للكل خلال سحابة جسده، لكنه هو كما هو ممسك بكل الأشياء بقوة حكمته...
إلهك حال بكامله في كل موضع، إن كنت لا تتركه لن يتركك".
القديس أغسطينوس
v لنتبعه الآن فننال فيما بعد. نتبعه الآن بالإيمان فننال فيما بعد بالعيان. يقول الرسول: "فإذًا نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مستوطنون في الجسد فنحن متغربون عن الرب، لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان" (2 كو 5: 6-7). متى نسلك بالعيان؟ عندما يكون لنا نور الحياة، عندما نبلغ تلك الرؤيا، عندما يعبر الليل.
عن هذا اليوم حيث نقوم قيل: "في الصباح اقترب إليك وأتأملك" (مز 5: 4). ماذا يعني "في الصباح"؟ عندما يعبر ليل هذا العالم، عندما تنتهي مخاوف التجارب، عندما ينهزم ذاك الأسد الذي يجول في الليل يطلب من يفترسه.
"في الصباح أقف أمامك وأتأمل". الآن ماذا تظنّون أيها الاخوة ما هو واجبنا نحو الحياة الحاضرة، إلا ما يقوله المزمور مرة أخرى: "أعوّم كل ليلة سريري بدموعي..." (مز 6: 6)
يقول كل ليلة أبكي، والتهب شوقًا نحو النور. فيتطلع الرب إلى رغبتي، إذ يقول مزمور آخر: "أمامك كل شوقي وتنهدي ليس بمستورٍ عنك" (مز 38: 10).
هل تشتاق إلى الذهب؟ لا يمكنك أن لا تُرى، لأنك إذ تطلب الذهب تُعلن ذلك للبشر...أتشتاق إلى اللَّه"؟ من يرى ذلك إلا اللَّه؟ ممن تطلب اللَّه... إلا من اللَّه؟ فإنه يُطلب من ذاته الذي يعد بإعطاء ذاته.
لتبسط النفس شوقها، وبحضنها المتسع تطلب وتدرك ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لا يخطر على قلب إنسان (1 كو 2: 9). يمكننا أن نشتهي ذلك ونتوق إليه ونركض وراءه، لكننا لا نقدر أن نستحق إدراكه ونعلنه بكلمات |