رسالة الأحد الثالث بعد العنصرة
قوتي وتسبحتي الرب
ستيخن: أدباً أدبني الربُّ
فصل من رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل رومية
يا إخوة إذ قد تبررنا بالإيمان فلنا السلام مع الله بربنا يسوع المسيح، الذي به حصل أيضاً لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون ومفتخرون في رجاء مجد الله، وليس هذا فقط بل أيضاً نفتخر بالشدائد عالمين أن الشدة تُنشىء الصبر، والصبر يُنشيء الامتحان والامتحان الرجاء، والرجاء لا يُخزي. لأن محبة الله قد أُفيضَت في قلوبنا بالروح القدس الذي أُعطي لنا. لأن المسيح إذ كنّا بعدُ ضُعفاء مات في الأوان عن المنافقين. ولا يكاد أحدٌ يموت عن بار. فلعل أحداً يُقدِمُ على أن يموت عن صالح. أما الله فيدل على محبته لنا بأنه إذ كُنّا خُطاة بعد. مات المسيح عنا. فبالأحرى كثيراً إذ قد بُررَّنا بدمه نخلص به من الغضب. لأنّا إذا كنا قد صولحنا مع الله بموت ابنه ونحن أعداء فبالأحرى كثيراً نخلص بحياته ونحن مصالحون
إنجيل الأحد الثالث بعد العنصرة
فصل شريف من بشارة القديس متى البشير
قال الربُّ سراجُ الجسدِ هو العين. فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيّراً، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً. وإذا كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون، لا يستطيع أحد أن يعبد ربين لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الأخر. أو يلازم الواحد ويرذل الآخر. لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال، فلهذا أقول لكم لا تهتموا لنفسكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست النفس أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس، انظروا إلى طيور السماء فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السماوي يقوتها أفلستم أنتم أفضل منها، مَن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعاً واحدة، فلماذا تهتمون باللباس. اعتبروا زنابق الحقل كيف تنمو.إنها لا تتعب ولا تغزل، وأنا أقول لكم إن سليمان نفسه في كل مجده لم يلبس كواحدة منها، فإذا كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم وفي غد يطرح في التنور يلبسه الله هكذا. أفلا يلبسكم بالأحرى أنتم يا قليلي الإيمان، فلا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس، فإن هذا كله تطلبه الأمم. لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا كله، فاطلبوا أولاً ملكوت الله وبرهُ وهذا كله يزاد لكم
تفسير الانجيل
تحدّث عن القلب الذي يلتصق بالكنز ويجري وراءه، مطالبًا إيّانا أن يكون مسيحنا هو كنزنا عِوض الكنز يحطّمه السوس والصدأ واللصوص، فيكون قلبنا على الدوام مرفوعًا إلى فوق حيث المسيح جالس، لهذا يحدّثنا عن "العين البسيطة" التي تجعل الجسد كلّه نيّرًا. ما هي هذه العين الداخليّة إلا القلب الذي وحده يقدر أن يرى أسرار الكنز السماوي، فيجذب نحو السماويات، ولا يتذبّذب بين النور الأبدي ومحبّة الفانيات.
العين هي مرشد الجسد كلّه لينطلق إلى هنا أو هناك، فإن ارتفعت نحو السماء انطلق الإنسان كلّه بعبادته وسلوكه كما بأحاسيسه ومشاعره نحو السماويات، أمّا إن اِنحنت نحو الأرض لتصير أسيرة حب المجد الباطل أو رياء الفرّيسيّين أو حب الغنى الزمني، لا يمكن للإنسان مهما قدّم من عبادات أن يرتفع إلى فوق. يشبّه القدّيس يوحنا الذهبي الفم العين بالقائد الذي إن سقط أسيرًا ماذا ينتفع الجند بالذهب؟ وربّان السفينة الذي إن بدأ يغرق ماذا تنتفع السفينة بالخيرات الكثيرة التي تملأها؟! حقًا كثيرون قد جمعوا ذهب الصداقة والصلاة والصوم وظنّوا أن سفينتهم مشحونة بالأعمال الصالحة، ولكن بسبب فساد قلبهم وظلمة بصيرتهم الداخليّة يبقون بعيدًا عن الميناء الآمن وتغرق بكل ما تحمله! لهذا يفسر القدّيس أغسطينوس العين البسيطة بنيّة القلب الداخلي التي تقود كل تصرفاتنا، إذ يقول: [نفهم من هذه العبارة أن جميع أفعالنا تكون نقيّة ومرضية في نظر الله إن صنعناها بقلب بسيط، أي إن جميع أفعالنا تكون نقيّة ومرضيّة في نظر الله إن صنعناها بقلب بسيط، أي إن كان هدفنا فيها سماويًا، متطلّعين إلى تلك الغاية التي هي المحبّة، لأن "المحبّة هي تكميل الناموس" (رو 13: 10). من ثم فلنفهم "العين" هنا على أنها "النيّة التي نصنع بها أفعالنا"، فإن كانت نيّتنا نقيّة وسليمة، أي ناظرين إلى السماويات، فستكون جميع أعمالنا صالحة، هذه التي لقّبها الرب "جسدك كلّه"، لأنه عندما حدّثنا الرسول عن بعض أعمالنا القبيحة، دعاها أيضًا (أعضاء لنا)، إذ علّمنا أن نصلبها قائلاً: "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا النجاسة... الطمع" (كو 3: 5)، وما على شاكلة ذلك.]
أن العين البسيطة تُشير إلى روح التمييز أو الحكمة، [لأنها هي التي تميّز كل الأفكار والأعمال، وترى كل شيء وتراقب ما سيحدّث. فإن كانت عين الإنسان شرّيرة، أي غير محصّنة بصوت الحكمة والمعرفة، مخدوعة ببعض الأخطاء والعجرفة (في العبادة) فإنها تجعل جسدنا كلّه مظلمًا، أي يظلم كل نظرنا العقلي، وتصير أعمالنا في ظلام الرذيلة ودجى الإضرابات، إذ يقول: "فإن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون؟" [23]. فلا يستطيع أحد أن يشك في أنه متى كان "الحكم في الأمور" في القلب خاطئًا، أي متى كان القلب مملوء جهالة، تكون أفكارنا وأعمالنا - التي هي ثمرة التمييز والتأمّل - في ظلام الخطيّة العُظمى.]
إن كان "البسيط" هو عكس "المُركّب أو المُعقّد"، فإن العين البسيطة إنّما هي التي لا تنظر في اتّجاهيّن، ولا يكون لها أهداف متضاربة بل لها اتّجاه واحد وهدف واحد... وكما يقول مار فيلوكسينوس: [لقد أعطانا ربّنا مبدأ سهلاً في بشارته ألا وهو الإيمان الحق البسيط، فالبساطة ليست هي المعروفة في العالم بالبلادة والخرافة بل هي فكر واحد بسيط فريد.]
إن كان غاية العبادة هي الالتقاء مع الله أبينا السماوي لنحيا معه في ابنه إلى الأبد، فإنه يسألنا أن نحيا بالعين البسيطة التي لا تعرج بين السماء والأرض، فيرتفع الجسد كلّه مع القلب إلى السماء. أمّا العدوّ الأول للبساطة فهو "حب المال" الذي تنحني له قلوب الكثيرين متعبّدة له عِوض الله نفسه، ويجري الكثيرون نحوه كعروسٍ تلتصق بعريسها عِوض العريس السماوي. إنه يقف منافسًا لله نفسه يملك على القلب ويأسره، وهنا يجب التأكيد أننا لا نتحدّث عن المال في ذاته وإنما "حب المال".
كلمة المال هنا "Mammon" كلمة عبريّة تُشير إلى المقتنيات الماديّة بشكل عام، وكانت في الأصل تُشير إلى ما يعتزّ به الإنسان من مال ومقتنيات، لكنها تطوّرت لتعني المال كإله يُستعبد له الإنسان.
v يُسمى حب المال سيدًا ليس بطبيعته الخاصة به، وإنما بسبب بؤس المنحنين له. هكذا أيضًا تُدعى البطن إلهًا (في 3: 19) ليس عن كرامة هذه السيدة، وإنما بسبب بؤس المستعبدين لها.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
v من يخدم المال يخضع للشيطان القاسي المهلك، فإذ يرتبك بشهوته للمال يخضع للشيطان ويلازمه رغم عدم محبّته له، لأنه من منّا يحب الشيطان؟ ويكون بذلك يشبه إنسانًا أحب خادمة لدى شخص عظيم، فرغم عدم محبته لسيدها إلا أنه يخضع لعبوديته القاسية بسبب محبته للخادمة .
القدّيس أغسطينوس
المال ليس في ذاته إلهًا، ولا هو شرّ نتجنّبه، إنّما يصير هكذا حينما يسحب القلب إلى الاهتمام به والاتكال عليه، فيفقده سلامه ويدخل به إلى ظلمة القلق؛ يفقده النظرة العميقة للحياة ليرتبك بشكليّاتها. عِوض الاهتمام بالحياة ذاتها ينشغل بالأكل والشرب، وعِوض الاهتمام بالجسد كعطيّة مقدّسة وأعضاء تعمل لخدمة القدّوس يهتم بالملبس. هكذا بالمحبّة المال تحصر الإنسان خارج حياته الحقيقية: نفسه وجسده، ليرتبك بأمور تافهة باطلة وزائلة. يقول السيد: "لذلك أقول لكم لا تهتمّوا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام؟! والجسد أفضل من اللباس؟!" [25]. ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [لا يقف الضرر عند الغنى ذاته، وإنما يبلغ الجرح إلى الأجزاء الحيويّة الذي فيه تفقدون خلاصكم، إذ يطردكم خارج الله الذي خلقكم ويهتم بكم ويحبّكم.] ويقول القدّيس أغسطينوس: [فبالرغم من أننا لا نطلب الكماليّات (بل الأكل والشرب والملبس)، لكن نخشى من أن يصير قلبنا مزدوجًا حتى في طلب الضروريّات. فنحن نخشى أن ينحرف هدفنا إلى طلب ما هو لصالحنا الخاص، حتى عندما نصنع رحمة بالآخرين مبرّرين ذلك بأنّنا نطلب الضروريّات لا الكماليّات. لقد نصحنا الرب أن نتذكّر أنه عندما خلقنا وهبنا جسدًا وروحًا، وهما أفضل من الطعام واللباس، وبذلك لم يشأ أن تكون قلوبنا مزدوجة.]
v وُضع علينا أن نعمل (من أجل الضروريّات) لكن لا نقلق.
v لا يُطلب الخبز خلال قلق الروح بل تعب الجسد. والذين يجاهدون حسنًا ينالونه بوفرة كمكافأة لعملهم، ويُنزع عن الكسلان كعقوبة من الله.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
في الوقت الذي فيه يُعلن السيّد ما تفعله محبّة المال في الإنسان، حيث تسحبه من خلاصه وتربكه في الأمور الزمنيّة الباطلة، يوضّح مدى رعايته هو بالإنسان ليس فقط بروحه وجسده، أو حتى أكله وشربه وملبسه، وإنما يهتم حتى بطيور السماء وزنابق الحقل التي خلقها لأجل الإنسان، حقًا ربّما تبدو الطيور ليست بضروريّة لنا وأيضًا زنابق الحقل، لكن الله الذي خلق العالم كلّه لخدمتنا يهتم بأموره كلها. وإذ أراد السيّد أن يسحبنا تمامًا من حياة القلق التي تخلقها محبّة المال، تساءل إن كان أحد منّا يقدر أن يزيد على قامته ذارعًا واحدًا؟
v إن كان الله يهتم بهذه الأمور التي خُلقت اهتمامًا عظيمًا، فكم بالأكثر يهتم بنا؟! إن كان يهتم هكذا بالعبيد فكم بالأكثر بالسيد؟!
v إن كنّا لا نقدر أن نعمل بسبب مرض ما أو بسبب الانشغال فإنه يقوتنا كما يقوت الطيور التي لا تعمل. لكن إن كان يمكننا العمل يلزمنا ألا نُجرِّب الله، لأن ما نستطيع أن نعمله إنّما نعمله خلال عطيّته. حياتنا على الأرض هي عطيّته، إذ يهبنا الإمكانيّة للحياة!
القدّيس أغسطينوس
إن كان الله يُطعم الطيور ويقدّم القوت اليومي للعصافير ولا يترك الخليقة التي لا تدرك الإلهيّات في عوز إلى مشرب أو مأكل، فهل يمكنه أن يترك إنسانًا مسيحيًا أو خادمًا للرب معتازًا إلى شيء؟ إيليّا عالته الغربان في البرّيّة، ودانيال أُعد له لحم من السماء وهو في الجب، فهل تخشى الاحتياج إلى طعام؟
v إنك تخشى َفقدان ممتلكاتك عندما تبدأ أن تعطي بسخاء، ولا تعلم أيها البائس أنك فيما تخاف على ممتلكات عائلتك تفقد الحياة نفسها والخلاص. بينما تقلق لئلا تنقص ثروتك لا تُدرك أنك أنت نفسك تنقص!... بينما تخشى أن تفقد ميراثك لأجل نفسك إذا بك تفقد نفسك لأجل ميراثك!
القدّيس كبريانوس
v إن كانت الطيور بلا تفكير أو اهتمام والتي توجد اليوم ولا تكون غدًا يعولها الله بعنايته كم بالأحرى يهتم بالبشر الذين وعدهم بالأبديّة؟!
v الله هو الذي ينمّي أجسادكم كل يوم وأنتم لا تُدركون. فإن كانت عناية الله تعمل فيكم يوميًا، فكيف تتوقّف عن إشباع احتياجكم؟ إن كنتم لا تستطيعون بالتفكير أن تضيفوا جزءًا صغيرًا إلى جسدكم فهل تقدرون بالتفكير أن تهتمّوا بالجسد كله؟
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
v الزنابق تمثّل جمال الملائكة السمائيّين البهي، الذين ألبسهم الله بهاء مجده، إنهم لم يتعبوا ولا غزلوا، إذ تقبّلوا من البدء ما هم عليه دائمًا. وإذ في القيامة يصير الناس كالملائكة أراد أن نترجّى جمال الثوب السماوي، فنكون كالملائكة في البهاء.
v الرهبان على وجه الخصوص هم طيور من هذا النوع، ليس لهم مخازن ولا خزائن لكن لهم رب المؤن والمخازن، المسيح نفسه!... ليس لهم غنى الشيطان (محبّة الغنى) بل فقر المسيح. ماذا يقول الشيطان؟ "أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي" (مت 4: 9). أمّا المسيح فماذا يقول لتابعيه؟ من لا يبيع كل ما له ويعطي الفقراء لا يقدر أن يكون تلميذًا. الشيطان يعد بمملكة وغنى ليحطّم الحياة، والرب يعد بالفقر لكي يحفظ الحياة!
يختم السيّد حديثه عن العبادة الحرّة التي لا يأسرها محبّة المال، فيعيش الإنسان في كمال الحرّية متّكئًا على الله لا المال، موضّحًا ضرورة الحياة بلا قلق، إذ يقول: "لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذه كلها تُزاد لكم؛ فلا تهتمّوا للغد، لأن الغد يهتم بما لنفسه؛ يكفي اليوم شرّه" [33-34].
v ملكوت الله وبرّه هو الخبز الذي نسعى إليه، والذي نقصده من كل أعمالنا. ولكننا إذ نخدم في هذه الحياة كجنود راغبين في ملكوت السماوات نحتاج إلى الضروريّات اللازمة للحياة، لذلك قال الرب: "هذه كلها تزاد لكم"، "ولكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره".
فبقوله كلمة "أولاً" أشار إلى طلبنا هذه الأشياء، ولكننا لا نطلبها أولاً، لا من جهة الزمن بل حسب الأهمّية، فملكوت الله نطلبه كخير نسعى نحوه، أمّا الضروريّات فنطلبها كضرورة نحتاج إليها لتحقيق الخير الذي نسعى نحوه.
القدّيس أغسطينوس
يرى القدّيس جيروم في القول: "لا تهتمّوا بالغد" دون قوله "تهتمّوا باليوم" تشجيع للعمل والجهاد الآن بغير تواكل، إذ يقول: [قد يسمح لنا أن نهتم بالحاضر ذاك الذي يمنعنا من التفكير في المستقبل، حيث يقول الرسول: "عاملون ليلاً ونهارًا كي لا نثقل على أحدٍ منكم" (1 تس 2: 9).]
وفي قوله "يكفي اليوم شرّه" لا يعني بالشرّ الخطيّة، وإنما بمعنى "التعب"، فلا نهتم بما سنتعبه غدًا، إنّما يكفي أن نتعب اليوم ونجاهد، وكأن الله وهو يمنعنا من القلق يحثّنا على الجهاد |