كهنة الكنيسة

قدس الاب الارشمندريت يورنيموس
الرئيس الروحي في الفحيص

قدس الاب الايكونومس
جريس سميرات

قدس الاب الايكونومس
الياس صويص

الأحد التاسع من العنصرة الفتية السبعة المستشهدين في أفسس الذين ناموا 184 سنة


رسالة الأحد التاسع

 

صلُّوا وأوفوا الرب إلهنا

الله معروفٌ في أرض يهوذا

فصل من رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثس

 

يا إخوة إنّا نحن عاملون مع الله وأنتم حَرْثُ الله وبناء الله. أنا بحسب نعمة الله المعطاة لي كبناء حكيم وضعتُ الأساس وآخر يبني عليه. فلينظر كلُّ واحدٍ كيف يبني عليه. إذ لا يستطيع أحدٌ أ، يضع أساساً غير الموضوع وهو يسوع المسيح. فإن كان أحدٌ بني على هذا الأساس ذهباً أو فضةً أو حجارةً ثمينةً أو خشباً أو حشيشاً أو تبناً، فإن عمل كل واحد سيكون بيننا لأن يوم الرب سيظهره لأنه يُعلن بالنار وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو، فمن بقي عمله الذي بناه على الأساس فسينال أُجرةً، ومَنْ احترق عمله فسيخسر وسيخلُصُ هو ولكن كمَن يمرُّ بالنار. أما تعلمون أنكم هياكل الله وأنّ الروح ساكن فيكم. مَنْ يُفسِدُ هيكل الله يُفسِدُهُ الله. لأن هيكل الله مُقَدّس وهو أنتم

 

الأحد التاسع بعد العنصرة

فصل شريف من بشارة القديس متى البشير

 

في ذلك الزمان ألزم يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر حتى يصرف الجموع، فلما صرف الجموع صعد وحده إلى الجبل ليصلي. ولما كان المساءُ كان هناك وحده، وكانت السفينة في وسط البحر تكدها الأمواج، لأن الريح كانت مضادة لها، وعند الهجعة الرابعة من الليل مضى إليهم يسوع ماشياً على البحر، فلما رآه التلاميذ ماشياً على البحر اضطربوا وقالوا إنه خيال، ومن الخوف صرخوا، فللوقت كلمهم يسوع قائلاً. ثقوا أنا هو لا تخافوا، فأجابه بطرس قائلاً يا رب إن كنت أنت هو فمُرني أن آتي إليك على المياه. فقال تعال. فنزل بطرس من السفينة ومشى على المياهِ آتياً إلى يسوع، فلما رأى شدة الريح خاف وإذ بدأ يغرق صاح قائلاً يا رب نّجني، وللوقت مدَّ يسوع يده وأمسك به وقال له يا قليل الإيمان لماذا شككت، ولما دخلا السفينة سكنت الريح، فجاء الذين كانوا في السفينة وسجدوا له قائلين بالحقيقة أنت ابن الله، فلما عبروا جاءُوا إلى أرض جنيسارَيت

 


تفسير الانجيل

المسيح واهب السلام
 
إن كان هيرودس بكل مملكته لم تشبع نفسه، مشتهيًا رقصة فتاة، ليقدّم عنها ما تريد، لكن السيّد المسيح الملك السماوي افتقر لكي يغني كل من يؤمن به. إذ انصرف إلى موضع خلاء، انجذبت إليه الجموع [13] فجاءت إليه مشاة من المدن تطلب فيه شبعها الروحي. إنه كملك روحي شفى مرضاهم [14]، وأشبعهم روحيًا وجسديًا أيضًا، حتى فضل من الكِسَر اثنتا عشرة قُفّة مملوءة [20]. والآن يُلزم السيّد تلاميذه أن يدخلوا السفينة ليُعلن لهم عمل ملكوته الداخلي فيهم.

"وللوقت ألزم يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر حتى يصرف الجموع. وبعدما صرف الجموع صعد إلى الجبل منفردًا ليصلّي. ولما صار المساء كان هناك وحدة" [22-23].

إنه تصرُّف غريب، فقد ألزم التلاميذ أن يدخلوا السفينة، وصرف الجموع، أمّا هو فصعد إلى الجبل!

فمن جهة التلاميذ ألزمهم أن يدخلوا السفينة ليأمر العاصفة، أو يسمح لها أن تثور. إن ربّنا يسوع المسيح يحترم الإرادة البشريّة ويقدّسها، لكن حين يُلقي الإنسان بنفسه في يديه الإلهيتين بكامل حريّته يلزمه السيّد بالسلوك حسبما يريد. هذا ما نلمسه من قول الإنجيلي أنه ألزم تلاميذه أن يدخلوا السفينة، وكأنهم إذ سلَّموا حياتهم في يديه بكامل حريتّهم، كان يدفعهم إلى وسط البحر، ليختبروا حضرته كسِرّ سلامهم عند هياج العاصف ضدّهم. إنه يعرف ما هو لصالحهم، فيقدّمهم إلى الطريق الكرب والباب الضيّق، ليس إمعانًا في آلامهم، وإنما ليلتقوا به وسط الآلام كمصدر تعزية لهم.

هذا، ومن ناحية أخرى فإن السيّد ألزمهم بالعبور كمن يدفعهم إلى السير وسط تيّارات هذا العالم - محمولين بالصليب - أي السفينة، ليجتازوا إلى الميناء السماوي في البرّ الآخر. وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [هذا هو عمل تلاميذ يسوع، أقصد أن يذهبوا إلى الجانب الآخر، ويعبروا وراء الأمور المنظورة والماديّة الزمنيّة، وينطلقوا إلى الأبديّات غير المنظورة.]

أما من جهة الجموع فقد شبعوا من الطعام المادي، وتوقّفوا عند هذا الحد، فلم يكن لهم أن ينعموا بالدخول في السفينة والعبور إلى البرّ السماوي.

أما السيّد المسيح فقد صعد إلى الجبل منفردًا، وكأنه قد ارتفع إلى السماء هناك ليلتقي مع الآب من أجل تلاميذه. إنه يصلّي، أي يتحدّث مع أبيه، مقدّمًا دمه الكريم شفاعة فيهم يغفر خطاياهم، هذا هو الرصيد الذي يعيش به التلاميذ في وسط التجربة عندما تهب العواصف، وأيضًا العون الحقيقي لهم للعبور على الأبديّة. بصعوده إلى الجبل يصعدون هم أيضًا معه وبه وفيه، ليلتقوا مع الآب السماوي الذي يسندهم في الضيّق ويهبهم طبيعة الحياة السماويّة.

صعود السيّد إلى الجبل منفردًا ليصلّي لا يعني هروبًا من الخدمة، وإنما تأكيدًا للحياة العاملة التأمّليّة وخدمة الجماهير باللقاء السرّي مع الآب. حقًا ما أحوجنا إلى الجبل أو البرّيّة لتسندنا أثناء جهادنا الروحي والرعوي. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [البرّيّة هي أم السكون، إنها الهدوء والميناء الذي ينجينا من كل المتاعب.] وكما يقول مار اسحق السرياني: [أن مجرّد النظر إلى القفر يهب النفس سكونًا، ويقتل شهوات الجسد فينا.]

البرّيّة ليست مكانًا للهروب من الخدمة أو من العالم، لكنها بحق هي ميدان حرب روحيّة ضدّ إبليس نفسه، فيه تنفضح النفس وتتكشف أعماقها إن كانت ثابتة في الرب، مجاهدة في الطريق الروحي، أو خائرة ومستكينة. البرّيّة تصقّل الرجال وتزيدهم نضوجًا في الروح، وتفضح المتهاونين وتُعلن تراخيهم أو شرّهم!

يقول العلاّمة أوريجينوس: [لقد ألزم المخلّص التلاميذ أن يدخلوا سفينة التجارب، وأن يذهبوا قدّامه ليعبروا إلى الشاطئ الآخر... لكنهم إذ جاءوا إلى وسط البحر منعتهم أمواج التجارب والرياح المضادة من السير نحو الشاطئ الآخر، وصاروا عاجزين، يصارعون كمن هم بدون يسوع لكي يغلبوا الأمواج والأرواح المضادة لبلوغ الشاطئ الآخر. وإذ بذلوا كل ما في قدرتهم لبلوغ الشاطئ الآخر ترفّق بهم الكلمة وجاء إليهم ماشيًا على البحر، هذا الذي لا تعوقه أمواج أو رياح.]

ما حدث هنا يقدّم لنا صورة حيّة لقصة الخلاص كلها، فقد دخلت البشريّة إلى وسط البحر في الهزيع الأول، حين سقط أبوانا الأوّلاًن في الفردوس، وتعرّضت حياتهما للموت الأبدي خلال الريح المضادة، أي خداع الشيطان. وفي الهزيع الثاني خارج الفردوس خضعت البشريّة كلها، وهي تحت الناموس الطبيعي للموت الأبدي أيضًا، وليس من يخلّص أو ينقذ. وفي الهزيع الثالث قدّم الله الناموس الموسوي الذي عجز عن إنقاذ الإنسان من الموت، والعبور به إلى حياة البرّ. أمّا في ملء الزمان، وفي الهزيع الرابع، وسط الظلام الحالك، فقد جاء السيّد المسيح مشرقًا على الجالسين في الظلمة ليخلّصهم من الأمواج المهلكة. إنه الشخص الوحيد الذي يقدر أن يتقدّم إلى البشريّة ماشيًا على المياه، ولا تقدر الرياح المضادة أن تقف ضدّه. أمّا الذين سبقوه فلم يستطع أحد منهم قط أن يسير على مياه العالم أو يواجه الريح المضادة دون أن يغرق. لقد تثقَّلت البشريّة كلها بالخطيّة كما بالرصاص (زك 5: 7)، فغاصت في مياه غامرة (خر 15: 10)، أمّا كلمة الله فهو وحده بلا خطيّة يقدر أن يرتفع على المياه فلا تبتلعه!

تقدّم إليهم السيّد موجدًا لنفسه طريقًا على المياه، أي على العالم، دون أن يبتلعه العالم كسائر البشر، وكان متّجهًا نحو السفينة كما إلى الصليب أو إلى كنيسته، لكي يحمل تلاميذه معه فيها، ليكونوا معه وهو معهم، ويكونون فيه وهو فيهم، عابرًا بهم إلى الميناء الأبدي بسلام.

تقدّم إليهم وسط الأمواج الهائجة ليُعلن لتلاميذه أن الضيقات هي المناخ الذي فيه يتجلّى السيّد وسط أولاده. إنه لا ينزع الآلام، وإنما يتجلّى أمام أعينهم، معلنًا حضرته وأبوّته ورعايته قبل أن يُهدِّئ الأمواج.

v إنه لم ينزع الظلمة ولا أعلن ذاته لهم في الحال، بل كما سبق فقلت أنه كان دائمًا يدرّبهم على احتمال هذه المخاوف ويعلّمهم أن يكونوا مستعدّين للألم... لم يُعلن المسيح نفسه قبل أن يصرخوا إليه حتى عندما يزداد رعبهم يزداد ترحيبهم بقدومه إليهم.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

إذا جاء السيّد المسيح إلى البشريّة في هزيعها الرابع، والأخير، وسط الظلمة القاتمة، سائرًا على الأمواج، ظنّ الكثيرون أنه خيال، فلم يدركوا حقيقة مجيئه ولا فهموا أسرار عمله الخلاصي، ولا أمكنهم الالتقاء معه وإدراك وجوده كمخلّص في حياتهم. تشكّك البعض في ناسوته ككثير من الغنوسيّين حاسبين أن جسده وهْم وخيال، وأنكر البعض لاهوته كالأريوسيّين. لكن الكلمة الإلهي المتجسّد يُعلن مؤكِّدًا: "تشجّعوا، أنا هو لا تخافوا" [27]. وكأنه يؤكّد حقيقة تأنّسه ووجوده في وسطنا كسِرّ قوّة روحيّة وسلام، نازعًا عنّا كل خوف.

لا يزال يسمح الله لكل مؤمن أن يدخل في السفينة وسط الأمواج، حتى يستطيع أن يدرك حقيقة وجوده في داخله، وسلطانه إذ هو قادر أن يهدِّئ الأمواج الخارجيّة والداخليّة، واهبًا إيّاه سلامًا فائقًا بإعلان حضرته الإلهية فيه!

في دراستنا لسفر الخروج سمعنا موسى النبي وشعبه يسبّحون الله من أجل خلاصهم وهلاك فرعون وجنوده قائلين: "قد هبطوا في الأعماق كحجر" (خر 15: 5). فالشرّ كالحجر أو الرصاص يغطس في المياه حتى الأعماق، أمّا الفضيلة الخفيفة فتعوم على المياه، والذين يسيرون فيها يطيرون كالسحاب وكالحمام بأجنحتهم الصغيرة (إش 9: 8).

يقول العلاّمة أوريجينوس: [لقد مشى ربّنا ومخلّصنا على المياه، هذا الذي بالحقيقة لا يعرف الخطيّة، ومشى تلميذه بطرس مع أنه ارتعب قليلاً إذ لم يكن قلبه طاهرًا بالكلّيّة، إنّما حمل في داخله بعضًا من الرصاص... لهذا قال له الرب: "يا قليل الإيمان لماذا شككت؟" فالذي يخلص إنّما يخلص كما بنار (1 كو 3: 15)، حتى إن وُجد فيه رصاص يصهره.]

رأى القدّيس بطرس شخص السيّد المسيح سائرًا على المياه فاشتهى أن يلتقي به عليها، وإذ طلب من الرب أمَره أن يأتي إليه، لكن بطرس خاف إذ رأى الريح شديدة. إنها صورة البشريّة قبل التجسّد، التي آمنت بالله القادر أن يسير على مياه العالم، فخرجت تلتقي به، لكنها عجزت تمامًا، وكادت أن تغرق. لكن إذ مدّ السيّد يده أي تجسّد الابن الكلمة، وأمسك بيده المجروحة أيدينا الضعيفة ضمَّنا إلى أحشائه غافرًا خطايانا، فصار لنا به إمكانيّة السير معه وفيه على المياه دون أن نغرق. به دخلنا إلى سفينة العهد الجديد كما دخل بطرس مع السيّد، ليبحر بنا إلى أورشليم العليا.

والعجيب أن السيّد لم يهدِّئ الأمواج لكي يسير بطرس على المياه، وإنما قال لبطرس: "تعال"، مهدّئًا أمواج قلبه الداخليّة ليسير بالإيمان على الأمواج ولا يغرق. حقًا إن سرّ غرقنا ليست الأمواج الخارجيّة، وإنما فقدان القلب سلامه وإيمانه!

إذ وهب السيّد المسيح السلام للنفوس المضطربة بسبب الرياح المضادة ودخل بها إلى سفينة كنيسته المقدّسة لتعيش في سلامه الفائق، عبر بها إلى أرض جنِّيسارت، وهناك تعرّف عليه رجال هذا الموضع، فأحضروا إليه جميع المرضى، وطلبوا أن يلمسوا فقط هدب ثوبه، فجميع الذين لمسوه نالوا الشفاء.

إن كان ثوبه يُشير إلى كنيسته الملتصقة به، فإن جميع الذين قبلوه أرادوا أن يبقوا كهُدب ثوبه، أي يحتلّوا الصفوف الأخيرة في كنيسته لكي بالتواضع ينالوا الشفاء لنفوسهم كما لأجسادهم