الأحد الحادي عشر للعنصره
قوتي وتسبحتي الرب
استيخن: أدباً أدبني الرب
فصلٌ من رسالةِ القديسِ بولسَ الرسولِ الأولى إلى أهل كورنثس
يا إخوة إنّ خاتمَ رسالتي هو أنتم في الربّ. وهذا هو احتجاجي عند الذين يفحصوني. ألِعَلَّنا لا سلطانَ لنا أن نأكلَ ونشرب؟ ألِعَلَّنا لا سلطانَ لنا أن نجولَ بامرأةٍ أختٍ كسائرِ الرسلِ وإخوةِ الربِّ وصفا؟ أم أنا وبرنابا وحدنا لا سلطانَ لنا أن لا نشتغل؟ مَن يتجنّدُ قطُّ والنفقةُ على نفسه؟ مَن يغرِسُ كرماً ولا يأكل من ثمره؟ أو مَن يرعى قطيعاً ولا يأكل من لبنِ القطيع؟ ألِعَلّي أتكلم بهذا بحسبِ البشرية أم ليسَ الناموس أيضاً يقول هذا؟ فإنه قد كُتبَ في ناموسِ موسى لا تَكُمَّ ثوراً دارساً. ألعلّ اللهَ تُهِمُّهُ الثيران؟ أم قال ذلك من أجلِنا لا محالة؟ بل إنما كُتِبَ من أجلِنا. لأنه ينبغي للحارثِ أن يحرثَ على الرجاءِ أن يكونَ شريكاً في الرجاء. إن كنا نحن قد زرَعنا لكم الروحيات، أفيكون عظيماً أن نحصدَ منكم الجسديات؟ إن كان آخرون يشتركون في السلطان عليكم، أفلسنا نحن أولى؟ لكنّا لم نستعمل هذا السلطان بل نحتمل كل شيء لئلا نسبب تعويقاً ما لبشارة المسيح
الأحد الحادي عشر بعد العنصرة
فصل شريف من بشارة القديس متى البشير
قال الرب هذا المثل يشبه ملكوت السماوات إنساناً ملكاً أراد أن يحاسب عبيده، فلما بدأ بالمحاسبة. أٌحضر إليه واحد عليه عشرة آلاف وزنة، وإذ لم يكن له ما يوفي أمر سيده أن يباع هو وامرأته وأولاده وكل ماله ويُوفى الدين، فخرَّ ذلك العبد ساجداً له قائلاً تمهَّل عليَّ فأوفيك كل ما لك، فرقّ سيد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدين، وبعد ما خرج ذلك العبد وجد واحداً عبداً من رفقائه كان مديوناً له بمائة دينار فأمسكه وأخذ بعنقه قائلاً أوفني مالي عليك، فخرَّ ذلك العبد على قدميه وطلب إليه قائلاً تمهًّل عليَّ فأوفيك كل ما لك. فأبى ومضى وطرحه في سجن حتى يوفي الدين، فلما رأى رفقاؤُه ما كان حزنوا جدّاً وجاءوا فأعلموا على سيدهم بكل ما كان، حينئذٍ دعاه سيده وقال له أيها العبد الشرير كل ما كان عليك تركته لك لأنك طلبت إلي.َّ أفما كان ينبغي لك أن ترحم أنت أيضاً رفيقك كما رحمتك أنا، وغضب سيده ودفعه إلى المعذبين حتى يوفي جميع ما له عليه، فهكذا أبي السماوي يصنع بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته
تفسير الانجيل
في هذا المثل يظهر الملك رمزًا للديّان الذي يقف أمامه الإنسان مدينًا بعشرة آلاف وزنة، بينما يُعلن الإنسان عجزه التام عن الإيفاء بالدين. ويلاحظ في هذا المثل:
أولا: يشبه ملكوت السماوات بإنسان ملك، وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [ملكوت السماوات هذا هو ابن الله، عندما صار في شكل جسد الخطيّة، متّحدًا بالناسوت فصار إنسانًا ملكًا.]
ثانيًا: العشرة آلاف وزنة التي اِسْتَدانها الإنسان، إنّما هي كسر الوصايا الإلهيّة. فإن كان رقم 10 يُشير إلى الوصايا العشرة، ومن أخطأ في وصيّة يكسر الناموس كله، وأما رقم 1000 فيُشير للأبديّة، فإن رقم 10.000 يعني أن الإنسان مدين بكسر وصايا بدِين لا يقدر أن يفيه عَبر حياته الزمنيّة.
يقول القدّيس أغسطينوس: [يلزمنا أن نؤكِّد أنه كما أُعطى الناموس في عشر وصايا، فإن العشرة آلاف وزنة تعني كل الخطايا التي اُرتكبت في حق الناموس.]
ما كان يمكن للإنسان أن يفي الدين الإلهي، فصدر الأمر ببيعه هو وزوجته وأولاده وكل ماله، لعلّه يقدر أن يفي شيئًا. إن كسر الوصيّة الإلهيّة قد دفع الإنسان ليفقد كل شيء، يفقد نفسه - أي روحه الداخليّة -التي أصابها الموت الأبدي بحرمانها من الله مصدر حياتها، ويفقده زوجته - أي جسده المرتبط به - ويلزم أن يعوله ويربِّيه، فصار الجسد الصالح دنسًا، مثقّلا بشهوات فاسدة قاتلة تثقِّل النفس وتفسد الفكر والحواس. أمّا الأولاد فيُشيرون إلى المواهب المتعدّدة التي تحوّلت خلال الخطيّة من آلات برّ لله إلى أداة إثم تعمل لحساب الشيطان؛ أمّا كل ماله - فيعني ممتلكاته - من ذهب وفضّة ونحاس الخ. الأمور التي وإن كانت صالحة في ذاتها لكنها خلال فساد الإنسان صارت معثرة له.
يرى القدّيس جيروم أن الزوجة هنا هي "الغباوة"، فكما أن الحكمة هي زوجة الإنسان البار كقول الكتاب "قل للحكمة أنتِ أختي... لتحفظك من المرأة الأجنبيّة من الغربية المَلِقة بكلامها" (أم 7: 4-5)، فإن الشرّير زوجته "الغباوة". فباتّحاد البار بالحكمة ينجب أفكارًا مقدّسة وسلوكًا فاضلاً في الرب، ينجب بنينًا للحكمة يفرح بهم الرب، هكذا الشرير بالتصاقه بالغباوة ينجب أولادًا هم الأفكار الشرّيرة والتصرّفات الدنسة.
ويرى القدّيس أغسطينوس في الزوجة "الرغبة الشرّيرة" التي تلتصق بالشرّير، فتلد أبناء هم أعماله الشرّيرة. وكأن الإنسان في شرّه يقدّم لدى الديّان حسابًا عن زوجته، أي رغبته أو إرادته الشرّيرة، وعن أولاده، أي تصرّفاته الشرّيرة.
لقد تحنّن الملك على المدين فلم يتمهَّل عليه فحسب كطلبه [26]، وإنما أعطاه أكثر ممّا يسأل وفوق ما يفهم، إذ أطلقه حرًا هو زوجته وأولاده، وترك له ما لديه وعفا عنه الدين. كان هذا المسكين يطلب الإمهال ظانًا أنه يقدر أن يفي، ولم يُعلّم أنه عاجز كل العجز في تحقيق هذا الأمر مهما طال الزمن، لهذا أطلقه السيِّد إلى الحرّية خلال الصليب تاركًا له كل الدين بنعمته المجّانيّة. وهبه حرّية النفس والجسد، مقدّسًا مواهبه وكل ما يملكه، ليصير بكلّيته مقدّسًا له.
كان يمكن لهذا العبد أن يعيش هكذا في الحرّية كمن هو بلا دين يحمل كل شيء مقدّسًا، غير أن المعطِّل الوحيد الذي أوقف هذه النعم ونزعها عنه ليردّه إلى أشرّ ممّا كان عليه هو اِنغلاق قلبه على أخيه الذي كان مدينًا له بمائة وزنة، أي بدين بشري تافه، لأن رقم 100 تُشير إلى الجماعة في هذا العالم.
مسكين هذا الإنسان الذي ينعم بالتحرّر من عشرة آلاف وزنة، ولا يتنازل لأخيه عن مائة وزنة بل يكون معه قاسيًا، فيرتدّ إليه دينه الأصيل ليعجز عن الإيفاء. مهما ارتكب الإخوة في حقّنا، إنّما نكون دائنين لهم بمائة وزنة، فإن لم نتنازل عنها لن ننعم بالتنازل عن الدين الذي علينا لدى الله. "إن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاّتكم" (مت 5: 15).
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ لم يكن بعد صوت المغفرة يدوي في أذنيه إذا به ينسى محبّة سيّده المترفّقة! انظر أي صلاح أن تتذكَّر خطاياك! فلو أن هذا الإنسان احتفظ بها بوضوح في ذاكرته ما كان قد صار هكذا قاسيًا وعنيفًا. لهذا أكرّر القول... إن تذكار معاصينا أمر مفيد للغاية وضروري جدًا. ليس شيء يجعل النفس حكيمة بحق ووديعة ومترفّقة مثل تذكار خطايانا على الدوام. لهذا كان بولس يتذكّر خطاياه التي ارتكبها ليس فقط بعد التطهير وإنما تلك التي ارتكبها قبل عماده مع أن هذه جميعها قد غُفرت في الحال وأزيلت.]
لقد أحزن هذا قلب العبيد رفقائه جدًا، إذ يقول السيِّد: "فلما رأى العبيد رفقاؤه ما كان حزنوا جدًا، وأتوا وقصّوا على سيّدهم كل ما جرى، فدعاه حينئذ سيّده وقال له: "أيها العبد الشرّير كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت إليّ، أفما كان ينبغي أنك أنت أيضًا ترحم العبد رفيقك كما رحمتَك أنا؟!"
إن كان العبد المسكين الذي أسره رفيقه في السجن طالبًا أن يفي بالمائة وزنة لم يفتح فمه ليشتكيه، لكن صوت الجماعة يصرخ من الداخل بالحزن الشديد، ويسمع الله تنهّدات البشريّة الخفيّة من أجل قسوة الناس على إخوتهم وعدم صفحهم لهم، فيكيل لهم بالكيل الذي يكيلون به لإخوتهم.
إن كان هذا هو حال البشريّة التي تئن من أجل عدم تنازل الإنسان لأخيه عن أخطائه التي سبق فارتكبها ضدّه، فماذا يكون قلب الكنيسة التي تحزن جدًا عندما ترى من أولادها من لا يصفح ليخسر في غباوة ما تمتّع به من عطايا إلهيّة ونِعم مجّانيّة. بل هذا ما هو يحزن قلب السمائيّين، وقلب الله نفسه الذي يطلب أن يجد صورته ومثله فينا!
لقد أكّد لنا السيِّد أن نغفر ليُغفر لنا: "هكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحدٍ لأخيه زلاته" [35]. ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الإلهيّة: [لم يقل "أباكم" بل "أبي"، إذ لا يليق أن يدعى الله أبًا لإنسان شرّير هكذا وحقود |