رسالة الأحد الثاني الحادي عشر من بعد العنصرة
رتَّلوا لإلهنا رتَّلوا
استيخن: يا جميع الأمم صفقوا بالأيادي
فصل من رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثس
يا إخوة أُعَرِّفُكم بالإنجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وأنتم قائمون فيه، وبه أيضاً تخلصون بأي كلام بشّرتكم به إن كنتم تذكرون ألاّ تكونوا قد آمنتم باطلاً، فإني قد سلَّمتُ إليكم أولاً ما تسلّمته أن المسيح مات من أجل خطايانا على ما في الكتب، وأنه قُبِرَ وأنه قام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وأنه تراءى لصفا ثم للاثني عشر، ثم تراءى لأكثر من خمسين أخ دفعةً واحدةً أكثرهم باقٍ إلى الآن وبعضهم قد رقدوا، ثم تراءى ليعقوب ثم لجميع الرسل، وآخر الكلام تراءى لي أنا أيضاً كأنه للسقط، لأني أنا أصغر الرسل ولستُ أهلاً لأن أسمى رسولاً لأني اضطهدتُ كنيسة الله، لكنّي بنعمة الله أنا فمَن أنا؟ ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلةً بل تعبتُ أكثر من جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي. فسواءً كنت أنا أم هؤلاء نكرز وهكذا آمنتم
إنجيل الأحد الثاني عشر بعد العنصرة
فصل شريف من بشارة القديس متى البشير
في ذلك الزمان دنا إلى يسوع شاب وجثا له قائلاً أيها المعلم الصالح ماذا أعمل من الصلاح لتكون لي الحياة الأبدية، فقال له لماذا تدعوني صالحاً، وما صالح إلاَّ واحد وهو الله. ولكن إن كنت تريد أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا، فقال له أية وصايا. قال يسوع لا تقتل. لا تزنِ. لا تسرق. لا تشهد بالزور. أكرم أباك وأمك. أحب قريبك كنفسك، قال له الشاب كل هذا قد حفظته منذ صبائي فماذا ينقصني بعد، قال له يسوع إن كنت تريد أن تكون كاملاً فاذهب وبع كل شيء لك وأعطه للمساكين فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني، فلما سمع الشاب هذا الكلام مضى حزيناً لأنه كان ذا مال كثير، فقال يسوع لتلاميذه الحق أقول لكم إنه يعسر على الغني دخول ملكوت السماوات. وأيضاً أقول لكم إن مرور الجمل من ثقب الإبرة لأسهل من دخول غني إلى ملكوت السماوات، فلما سمع تلاميذه بهتوا جدًّا وقالوا من يستطيع إذن أن يخلص، فنظر يسوع إليهم وقال لهم. أما عند الناس فلا يستطاع هذا وأما عند الله فكل شيء مستطاع
تفسير الانجيل
يروي الإنجيلي عن لقاء بين السيِّد المسيح وشاب غني:
جاء هذا الشاب وكأنه يمثّل الأغنياء، وجاءت إجابة السيِّد تكشف عن إمكانيّة دخول الأغنياء الملكوت خلال الباب الضيق. ولكن قبل أن يجيبه على سؤاله قال له: "لماذا تدعوني صالحًا؟! ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله" [17]. إنه لم يقل "لا تدعوني صالحًا"، إنّما رفض أن يدعوه هكذا كمجرد لقب، ما لم يؤمن بحق أنه الصالح وحده. فقد اِعتاد اليهود على دعوة رجال الدين بألقابٍ لا تليق إلا بالله وحده، وقد أراد السيِّد تحذيرهم بطريقة غير مباشرة. وكأنه السيِّد يقول له: إن آمنت بي أنا الله فلتقبلني هكذا وإلا فلا. هذا وقد أكّد السيِّد نفسه أنه صالح، فيقول: "أنا هو الراعي الصالح" (يو 10: 11)، كما يقول: "من منكم يبكِّتني على خطيّة؟" (يو 8: 46)
لقد عُرف الأغنياء بالمظاهر الخارجيّة وحب الكرامات، وكأن السيِّد المسيح بإجابته هذه أراد أن يوجِّه الأغنياء إلى تنقية قلوبهم من محبّة الغنى بطريق غير مباشر، مع رفض محبّة الكرامات والألقاب المبالغ فيها.
لقد أظهر هذا الشاب شوقه للحياة، لذلك قدّم له السيِّد إجابة عن اشتياقه، وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [الذين ينحنون أمامه بعنق عقولهم للطاعة يهبهم وصايا ويعطيهم نواميس. ويوزِّع عليهم الميراث السماوي، ويقدّم لهم البركات الروحيّة، فيكون بالنسبة لهم مخزنًا لعطايا لا تسقط.]
لقد أجابه السيِّد: "إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا" [17]. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [إن كنت لا تريد أن تحفظ الوصايا، فلماذا تبحث عن الحياة؟ إن كنت تتباطأ في العمل، فلماذا تُسرع نحو الجزاء؟]
دخل السيِّد مع الشاب في حوار حول حفظ الوصايا، حتى يكشف له نقطة ضعفه، ألا وهي محبّة المال. وجاءت النصيحة: "إن أردت أن تكون كاملاً، فاذهب وبع أملاكك، وأِعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني" [21].
يقول القدّيس جيروم: [هذه هي ذروة الفضيلة الكاملة الرسوليّة أن يبيع الإنسان كل ما يملك ويوزِّعه على الفقراء (لو 18: 22)، متحرّرًا من كل عائق ليعبر إلى الممالك السماويّة مع المسيحٍٍٍ.] [خادم المسيح الكامل ليس له شيء بجانب المسيح.] [ترْجِم كلماته إلى عمل، فإنك إذ تتعرى تتبع الصليب حيث العرس، وتصعد سلّم يعقوب الذي يسهل صعوده لمن لا يحمل شيئًا.] كما يقول: [يَََعد الشيطان بمملكة وغنى ليُحطم الحياة، أمّا الرب فيَعدْ بالفقر ليحفظ الحياة.]
يقول القدّيس كبريانوس: [إن كان الكنز في السماء، فيكون القلب والعقل والمشاعر في السماء، ولا يستطيع العالم أن يغلب الإنسان الذي ليس فيه شيء يمكن أن يُغلب. إنك تستطيع أن تتبع الرب حرًا بلا قيود كما فعل الرسول - وكثيرون في أيامهم، الذين تركوا مالهم وأقرباءهم والتصقوا بالمسيح برباطات لا تنفك.]
يقول القدّيس أغسطينوس: [إن كانت لديهم الإرادة أن يرفعوا قلوبهم إلى فوق، فليدّخروا ما يحبّونه هناك. فإنهم وإن كانوا على الأرض بالجسد فليسكنوا بقلبهم مع المسيح. لقد ذهب رأس الكنيسة أمامهم، ليت قلب المسيحي أيضًا يسبقه إلى هناك... فإن كل مسيحي يذهب في القيامة إلى حيث ذهب قلبه الآن. لنذهب إلى هناك بذاك العضو (القلب) الذي يمكنه الآن أن يذهب. فإن إنساننا بكلّيته سيتبع قلبه ويذهب إلى حيث ذهب القلب... لنرسل أمتعتنا مقدّمًا إلى حيث نستعد للرحيل.]
كثيرون نَفَّذوا هذه الوصيّة بطريقة حرفيّة، فمن أجل الدخول إلى الكمال باعوا كل شيء وأعطوا الفقراء، ليكون السيِّد المسيح نفسه كنزهم. لكن فيما هم يبيعون بطريقة حرفيّة باعوا ما في القلب فلم يعد للعالم مكان فيه. فالبيع الخارجي يلزم أن يرافقه بيع داخلي وشراء، أي بيع من القلب مع اقتناء للسيّد المسيح ليملأ القلب، الذي سبق فأسره حب الغنى واهتمامات بالحياة.
هذا ما أكّده الآب موسى، قائلاً: [إننا نرى بعضًا ممن زهدوا أمور هذا العالم، ليس فقط الذهب والفضة، بل والممتلكات الضخمة يتضايقون ويضطربون من أجل سكِّينة أو قلم أو دبُّوس أو ريشة، بينما لو وجَّهوا أنظارهم نحو نقاوة القلب بلا شك ما كانوا يضطربون من أجل الأمور التافهة، فكما لا يبالون بالغنى العظيم، يتركون أيضًا كل شيء.]
ويقدّم لنا الكتاب المقدّس أبانا إبراهيم مثالاً حيًا للغني الذي باع من قلبه من أجل الرب، مع أنه لم يعش كفقير. ففي الظهيرة كان يترقَّب مجيء غريب يشاركه الطعام، ويطلب من زوجته أن تهيئ الطعام بيديها ولا تتركه لجاريتها وخَدَمها. إنه يعيش كمن لا يملك شيئًا، فقد باع كل شيء، ليس في القلب موضع للغنى أو الهمّ. يظهر ذلك بوضوح في أكثر من موقف، فعندما حدثت مخاصمة بين رعاة مواشيه ورعاة مواشي لوط في محبّة سأل ابن أخيه أن يختار الأرض التي تروق له دون أن يضع قلبه على موضع معيّن، قائلاً له: "لا تكن مخاصَمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك، لأننا نحن أخَوان. أليست كل الأرض أمامك، اعتزل عنّي، إن ذهبت شمالاً فأنا يمينًا وإن يمينًا فأنا شمالاً" (تك 13: 8-9). وعندما أُنقذ لوط والملوك الخمسة والنساء وكل ممتلكاتهم في كسرة كدرلعومر، إذ أراد أن يترك ملك سدوم لإبراهيم الممتلكات مكتفيًا بأخذ النفوس، أصرّ إبراهيم ألاّ يأخذ خيطًا ولا شِراك نعْل، ولا من كل ما هو له (تك14: 23).
إذ نعود إلى الشاب نراه غير قادرٍ على تنفيذ الوصيّة وقد مضى حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة. هنا وجّه السيِّد حديثه لتلاميذه: "الحق أقول لكم أنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات. وأقول لكم أيضًا أن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" [24]. لم يقل السيِّد "أنه يستحيل"، وإنما "يعسُر"، ومع هذا فإنه إذ بُهت التلاميذ جدًا قائلين: "إذًا من يستطيع أن يخلُص؟" نظر إليهم يسوع ربّما نظرة عتاب مملوءة ترفُّقًا، وقال لهم: "هذا عند الناس غير مستطاع، ولكن عند الله كل شيء مستطاع" [26]. إنه يعاتب تلاميذه الذين لم يُدركوا بعد أنه ليس شيء غير مستطاع لدي الله. حقًا إن الله قادر أن يعبُر بالجمل من ثقب إبرة، بتفريغ قلب الغَني من حب الغِنى وإلهاب قلبه بحب الكنز السماوي.
وللقدّيس جيروم تعليق جميل على ذلك، إذ يقول: [لكن ما هو مستحيل لدى البشر ممكن لدى الله" (مر 10: 27). هذا ما نتعلّمه من المشورة التي قدّمها الرسول لتيموثاوس: "أوْصِ الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يُلقوا رجاءهم على غير يقينيّة الغِنى، بل على الله الحيّ الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتّع، وأن يصنعوا صلاحًا، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة، وأن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدّخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا للمستقبل لكي يمسكوا بالحياة الحقيقيّة (الأبديّة)" (1 تي 6: 17-19). ها نحن نتعلّم كيف يمكن للجمل أن يعبُر من ثقب إبرة، وكيف أن حيوانًا بسنام على ظهره إذ يُلقي عنه أحماله يمكن أن يصير له جناحيّ حمامة (مز 55: 6)، يستريح في أغصان الشجرة التي نمت من حبّة الخردل (مت 13: 31-32). وفي إشعياء نسمع عن الجِمال بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا تحمل ذهبًا ولبانًا لمدينة الرب (إش 60: 6). على هذه الجِمال الرمزيّة أحضر التجَّار الإسماعيليّون (تك 37: 25) روائح وبخور وبلْسم الذي ينمو في جلعاد لشفاء الجروح (إر 8: 22) ولسعادتهم اشتروا يوسف وباعوه، فكان مخلّص العالم هو تجارتهم.]
يحذّر القدّيس أغسطينوس الفقراء لئلا يتّكلوا على فقرهم في ذاته كجواز لهم بالدخول إلى الملكوت، قائلاً: [ِاستمعوا أيها الفقراء إلى المسيح... من كان منكم يفتخر بفقره ليَحْذر من الكبرياء لئلا يسبقه الغَني بتواضعه. اِحذروا من عدم الشفقة لئلا يفوق عليكم الأغنياء بورعهم. اِحذروا من السُكر لئلا يفوق عليكم الأغنياء بوقارهم. إن كان ينبغي عليهم ألا يفتخروا بغناهم، فلا تفتخروا أنتم بفقركم.] وفي نفس المقال يحذِّر أيضًا الأغنياء قائلاً: [الكبرياء هو الحشرة الأولى للغِنى، إنه العُثْ المُفسد الذي يتعرّض للكل ويجعله ترابًا.] مرّة أخرى يحدّث الاثنين معًا فيقول: [أيها الأغنياء اُتركوا أموالكم، أيها الفقراء كُفُّوا عن السلب! أيها الأغنياء وزّعوا إيراداتكم، أيها الفقراء لجِّموا شهواتكم. استمعوا أيها الفقراء إلى الرسول نفسه: "وأمّا التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة" (1 تي 6:6)... ليس لكم منزلاً مشتركًا مع الأغنياء، لكن تشاركونهم في السماء وفي النور. اطلبوا القناعة والكفاف ولا ترغبوا فيما هو أكثر
|