إحد الأندقتي – بدء السنة الكنيسًة
عظيم هو ربنا وعظيمة هي قوته
سبحوا الرب لأنه صالح
رسالة القدّيس بولس الأولى إلى ةيموثاوس
يا ولدي تيموثاوس، أسألُ قَبلَ كلِّ شيءٍ أن تُقامَ تضرُّعاتٌ وصَلواتٌ وتوسُّلاتٌ وتَشكُّراتٌ مِن أجلِ جميعِ النَّاس، مِن أجلِ الملوكِ وكلِّ ذي مَنصِب، لنَقضي حياةً مطمئنِّةً هادئةً في كلِّ تقوى وعفاف، فإنَّ هذا حَسَنٌ ومَقبولٌ لدى اللهِ مخلِّصِنا، الذي يريدُ أنَّ جميعِ الناسِ يَخلُصونَ وإلى معرفةِ الحقّ يَبلغونَ ، لأنَّ اللهَ واحد، والوسيطَ بينَ اللهِ والناسِ واحد، وهوَ الإنسانُ يسوعُ المسيح، الذي بذَلَ نفسَهُ فِداءً عَنِ الجميع، وهو شهادةٌ في آوِنتِها، نُصِبتُ أنا لها كارِزاً ورسولاً، الحقَّ أقولُ ولا أكذِب، معلِّماً للأممِ في الإيمانِ والحَقّ
فصلٌ شريفٌ من بشارة القديس لوقاء البشير
فِي ذلك الزمان. أَتى يسوعُ إِلى النَّاصِرةِ حَيثُ كان تَرَبَّى. ودخَلَ كعادَتِهِ إِلى المجمعِ يومَ السبت. وقامَ ليَقرَأ فدُفِعَ إِليهِ سِفْرُ أَشَعْيا النَّبيّ. فلمَّا فتَحَ السِّفرَ وجدَ المَوضِعَ المَكتوبَ فيهِ إنً رُوحُ الربِّ عليَّ. لأَجْلِ ذلك مَسَحني وأَرسَلَني لأُبشِّرَ المساكينَ وأُشفِيَ مُنكَسِري القُلوب وأُناديَ لِلمَأْسُورينَ بالتَّخْلِيَة. ولِلعُميانِ بالبَصَر وأُطلِقَ المهشمين إلى الخلاص وأَكرِزَ بسَنَةِ الربِّ المَقبولة ثم طوَى السِّفرَ ودفَعَهُ إِلى الخادِمِ وجلَس وكانت عُيونُ جميعِ الذين في المجمعِ شاخِصةً إِليهِ فجعل يقولُ لهم اليومَ تَمَّتْ هذهِ الكِتابةُ التي تُلِيَت على مسامِعِكم وكانَ جميعهم يشهدون له ويَتعجَّبونَ مِن كلام النِّعمةِ البارز مِن فَمِه
تفسير الانجيل
يسوع المرفوض من خاصته
قدَّم لنا لوقا البشير صورة حيَّة لعمل هذا الصديق العجيب، فقد جاء إلى الناصرة حيث تربَّى ليخدِم، ومع أن الجميع كانوا يشهدون له ويتعجَّبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه لكنهم تعثَّروا فيه لأنهم حسبوه ابن يوسف. وحين بدأ يحدِّثهم عن انفتاح صداقته على الجميع - حتى الأمم - قرَّروا طرحه من حافة الجبل، أما هو فجاز في وسطهم ومضى.
نشأ السيِّد المسيح في الناصرة، ذاك الذي وهب العالم الخلاص والحياة، بينما حكمت مدينته على نفسها بالهلاك والموت. ما فعله أهل الناصرة هو جزء لا يتجزَّأ من خُطَّة الصليب.
"وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربَّى، ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت، وقام ليقرأ" [16].
v لما كان من الضروري ظهور المسيح للإسرائيليِّين حتى يعرفوا حقيقة التجسَّد إذ كانوا يجهلونه، وبما أن المسيح مسحه الله الآب مخلِّصًا للعالم بأسره، لزم من أجل كل ذلك أن يظهر المسيح نفسه للشعب اليهودي وغيره من الشعوب الأخرى ويكشف عن عمله الفدائي للشعوب قاطبة. إلا أن السيِّد المسيح أوْلى يهود الناصرة فضلاً عظيمًا بأن زارهم، وكان قد تربَّى كإنسانٍ في وسطهم.
وما أن دخل المسيح بلدة الناصرة أخذ مجلسه في مجمعها، وفتح السفر وقرأ فصلاً يشير إلى الفداء، وكيف أن المسيح الكلمة يظهر للعالم كإنسانٍ بقصد امتلائه وتخليصه. وإننا نعتقد بحقٍ أنه لم يكن هناك طريقة بها يمسح المسيح المسحة المقدَّسة سوى أن يأتي إلى العالم كإنسانٍ ويتَّخذ طبيعة إنسان.
كان المسيح إلهًا متأنِّسًا، وبصفته إلهًا يهب الروح القدس للخليقة بأسرها، وبصفته إنسانًا يتسلَّم الروح القدس من الله أبيه. بينما المسيح يقدِّس الخليقة قاطبة سواء كان ذلك بإشراق طلعته البهيَّة من المسكن الأعلى مسكن الله الآب، أم يمنح الروح القدس للعالم السماوي الذي يَدين به، وللعالم الأرضي الذي يعترف بتجسُّده.
v لم يحدُث هذا على سبيل الصدفة، وإنما بتدخُّل النعمة الإلهيَّة، إذ بسط يسوع الكتاب ووجد الأصحاح الذي يتنبأ عنه... قرأ النص الذي يخص "سرّ المسيح": بدقَّة: "روح الرب عليّ، لأنه مسحني لأُبشِّر المساكين". فالنص يتحدَّث عن المسيح، وقد جاء ليس صدفة، بل حسب المشيئة الإلهيَّة والنعمة.
بهذه المناسبة لاحظوا هذه الكلمات وكيف طبَّقها يسوع على نفسه في المجمع. "مسحني لأبشِّر المساكين" بالحق كانوا هم المساكين الذين لا يملكون قط لا الله ولا نبي ولا العدل ولا أية فضيلة، قد أُرسل لهذا السبب يسوع من أجل المساكين.
العلامة أوريجينوس
v يؤكِّد الرب نفسه أنه هو الذي تكلَّم في النبوَّات. لقد أخذ المسحة المقدَّسة والقوَّة السماويَّة... ليحل سبي الروح وينير ظلمة الفكر، ويكرز بسَنة الرب التي تمتد عبر السنين اللانهائيَّة، وتهب البشر استمراريَّة الحصاد والراحة الأبديَّة. لقد أغنى كل المهن واحتضنها، ولم يحتقر مهنة ما، بينما نحن الجنس الوضيع نرى جسده ونرفض الإيمان بلاهوته الذي يُعلن خلال معجزاته.
القدِّيس أمبروسيوس
v "وروح الرب علي، لأنه مسَحني لأبشِّر المساكين" [18]. يستنتج من هذه الكلمات أن المسيح أخلى نفسه من الأمجاد السماويَّة حبًا في خلاصنا، لأن الروح القدس بطبيعته في المسيح، فكيف ينزل على السيِّد من أعلى؟! كذلك في نهر الأردن نزل الروح القدس ليمسح يسوع، لا لسبب إلا لأن المسيح وطَّد نفسه على إسداء نعمة الخلاص لنا وتقديم الروح القدس لنا، فإننا كنا خالين من نعمة الروح القدس على حد قول الوحي: "فقال الرب لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد" (تك 6: 3). نطق المسيح المتجسِّد بهذه الكلمات لأنه إله حق من إله حق، وتجسَّد بدون أن يتغيَّر أي تغيير ومُسِح بدُهن الفرح والابتهاج، ونزل عليه الروح القدس على شكل حمامة. وإننا نعلم أن الملوك والكهنة مُسِحوا في الزمن القديم حتى تقدَّسوا بعض التقديس، أما المسيح فدُهِن بزيت التقديس الروحي، متسلِّمًا هذه المسْحة ليس من أجل نفسه، بل من أجلنا لأنه سبق أن حُرم الناس من الروح القدس، فخيَّمت سحابة الحزن والكآبة على وجّه الأرض.
v كنا مأسورين في أسر إبليس وسجنه، وجاء يسوع ينادي للمأسورين بالإطلاق، وللعُمي بالبصر، إذ كلماته وبشارته تجعل العُمي يبصرون...كان الإنسان مذنبًا وقاتلاً ومأسورًا قبلما يحصل على الحريَّة ويشفيه يسوع.
العلامة أوريجينوس
v نادى المسيح بإطلاق سراح الأسرى بأن قيَّد قدميّ الشيطان بالأغلال، وكان طاغية باغية يتسلَّط على رِقاب الناس، وسرق من المسيح رعيَّته وخليقته، فرَدَّ السيِّد ما نهبه إبليس ظُلمًا وعُدوانًا. أرسل المسيح ليهدي قلوبًا غواها الشيطان، فأسدل ستارة من الظلام الدامس، أما المسيح فبدَّد غشاوة الليل الحالك، وأصبحت رعيَّته تسير في الضوء الوهَّاج والنور الساطع، كما ورد في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي: "جميعكم أبناء نور وأبناء نهار، لسنا من ليل ولا من ظلمة" (1 تس 5: 5).
لقد أبصر العميان، وأُنيرت الطرق، ومُهِّدت المرتفعات، وذلك بمجيء المسيح المخلِّص الفادي: "أنا الرب دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهدًا للشعب ونورًا للأمم" (إش 42: 6).
جاء المسيح فأعلن عهدًا جديدًا لإخوته الإسرائيليِّين، ولكن لم يحتكر اليهود هذا الضوء الوهَّاج، بل سطع نور المسيح البهي على الأمم، فأطلق المأسورين وحرَّر المنسحقين، وكل ذلك يدل على أن المسيح إله بطبيعته فهو إله حق من إله حق.
وما المراد بالقول: "أنادي المأسورين بالإطلاق"؟ تُشير هذه الآية إلى جمهور البؤساء التُعساء الذين أوقعهم الشيطان في حبائله.
وما معنى القول: "أكرز بسَنة الله المقبولة"؟ تُشير هذه الآية إلى جلال الأخبار المُفرحة التي تُعلن قدوم السيِّد المسيح، هذه هي السَنة المقبولة التي شاء المسيح فصُلب فيها نيابة عنَّا، لأن بصلبِه قبِلَنا الله الآب وكنَّا بعيدين عنه، إذ ورد: "وأنا إن اِرتفعت من الأرض أجذب إليّ الجميع" (يو 12: 32). حقًا قام المسيح في اليوم الثالث، منتصرًا على قوَّة الموت، ولذلك يقول: "دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (مت 28: 18).
أليست هذه السَنة سنَة مقبولة، وقد انضممنا إلى أسرة المسيح، وخفق علينا علم يسوع، وتطهَّرنا بالعِماد المقدَّس، واشتركنا في طبيعة المسيح الإلهيَّة، بنيْلنا الروح القدس؟!
إنها السَنة مقبولة تلك التي أَظهر فيها المسيح مجده بمعجزات باهرة، وقبِلْنا بفرح وابتهاج نعمة الخلاص والفداء على حد قول بولس الحكيم: "هوذا الآن وقت مقبول، هوذا الآن يوم خلاص" (2 كو 6: 2). حقًا أنه مقبول إذ فيه فازت الأمم بكنز الإنجيل السمائي، ونالت رسالة السماء المُفرحة، وكانت في الماضي بعيدة عن نعمة الخلاص، لا أمل لها بالنجاة، وليس إله تقصد إليه في العالم. أما الآن فنحن أعضاء في المملكة المسيحيَّة، وشركاء طغمة القدِّيسين الصالحة، وورثة نعم وبركات يقصُر عن تصوُّرِها العقل وعن وصفها اللسان: "ما لم ترَ عين ولم تسمع به إذن ولم يخطر على بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه" (1 كو 2: 9).
وتشير عبارة: "المُنكسري القلوب" إلى ضعاف القلوب مزعزعي العقيدة، هؤلاء الذين لا يُمكنهم مقاومة الميول والشهوات، فيرخون العنان لعواطفهم الدنيئة، فيشتدْ الخِِناق عليهم ويضيق بهم مكان الأسر. أما المسيح فيعد مثل هؤلاء المأسورين بالإطلاق ويناشدهم قائلاً: إرجعوا إليّ فأشفيكم، وأغفر لكم إثمكم وخطيَّتكم.
أما الذين عمَت بصائرهم فإن المسيح يهبهم الضوء والنور؛ هم عميان لأنهم عبدوا المخلوق دون الخالق: "قائلين للعود أنت أبي وللحجر أنت ولدتني" (إر 2: 27). هؤلاء الناس جهلوا طبيعة المسيح الإلهيَّة فحُرم عقلهم من النور الروحي الحقيقي.
وليس هناك من معترضٍ على نسبة هذه الأمور كلها إلى جماعة الإسرائيليِّين، فقد كانوا فقراء ومنكسري القلوب وأسرى، يهيمون في دُجى الليل الحالك "الكل قد زاغوا معًا وفسدوا، ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد" (مز 14: 3).
نزل المسيح فبُشِّر الإسرائيليِّين قبل غيرهم من الشعوب، أما الأمم الأخرى فلم تكن دون الإسرائيليِّين عُمي وجُهلاء، ولكن المسيح أغناها بحكمته وهذبها بعلمه، فلم تظل ضعيفة العقل سقيمة الرأي، بل أصبحت سليمة المذهب قويَّة الحجة.
جاءت كلمات السيِّد المسيح مفسِّرة لهذه النبوَّة جذَّابة، لأنها لم تكن مجرَّدة، وإنما كانت عملاً إلهيًا تحقَّق بمجيئه، لذلك يقول: "كانت عيونهم شاخصة إليه".
v لما نطق المسيح بهذه الآيات البيِّنات دُهش سامعوه، وتساءلوا فيما بينهم من أين له هذه الحكمة البليغة، ولم يدرس الآداب اليهوديَّة؟! لأنه كان عادة اليهود أن يفسِّروا النبوَّات الخاصة بالمسيح بأنها تمَّت، إما في ملوكهم أو في أنبيائهم، لأنهم جنحوا عن طريق السداد والرشاد واتَّخذوا مسلكًا ملتويًا مرذولاً.
وتجنبًا للخطأ الذي طالما سقط فيه اليهود، ومنعًا لكل غموض قد يقعون فيه، خاطبهم المسيح في صراحة تامة: "أنه اليوم قد تمّ هذا المكتوب في مسامعكم" (لو 4: 21). صارحهم المسيح بأنه هو الذي تُشير إليه النبوَّة، لأن المسيح هو الذي بشَّر بكلمة الخلاص للشعوب الوثنيَّة، وكانوا مساكين معدمين لا إله ولا شريعة ولا أنبياء. وبالأولى بشَّر قومًا حُرموا زمانًا طويلاً من المواهب الروحيَّة، وأطلق سراح مأسورين، تحمّلوا مرارة الأغلال والأصفاد. وأنار سبيل الحق والفضيلة، وكانت سحابة الظلام الحالك تسُد عليهم المنافذ والطرق، ولذلك قال السيد: "قد جئت نورًا إلى العالم" (يو 12: 46). حطَّم المسيح أغلال الإثم، وأعلن قضاء العدل وأخيرًا نادى بسَنة مقبولة، هي علامة مجيئه الأول، وراية خلاصه وشعار الجنس البشري أجمع.
لم يُدرك الإسرائيليُّون مكانة المسيح، ولم يعرفوا أنه مسيح الرب إله القوَّات والمعجزات، فزاغوا عن تعاليمه وتكلَّموا بالباطل ضِدُّه، ومع أنهم قدَّروا كلمات الحكمة التي نطق بها السيِّد المسيح إلا أنهم سعوا بروح الشك والغموض فقالوا: "أليس هذا ابن يوسف؟!" (4: 22). وهل حجب هذا السؤال نور المعجزات الساطع، ولِمَ لا يُقابَل المسيح بالاحترام والإجلال رغمًا عن كونه ابن يوسف؟ ألم ير الإسرائيليُّون المعجزات؟! وألم تُقبَر الخطيئة في لحْدِها ويُسجن الشيطان في الهاوية، وتُهزَم جيوشه هزيمة منكَرة؟!
أثنى اليهود على سيل النعمة الذي جرى على لسان المسيح، ولكن غمروه حِقدًا، لأنه ينتسب إلى يوسف. إنه لجهلٍ ليس بعده جهل، فحق عليهم قول الوحي: "اسمع هذا أيها الشعب الجاهل والعديم الفهم الذين لهم أعين ولا يُبصرون، لهم آذان ولا يَسمعون" (إر 5: 21).
حتى وقتنا الحاضر يحدث هذا، ففي مجمعنا واجتماعاتنا يمكن أن تشخص عيوننا إلى المخلِّص، توجَّه نظرات أكثر عمقًا، فتتأمَّل في ابن الله الوحيد، الحكمة والحق... كم اشتاق في هذه الجماعة أن يكون للكل من موعوظين ومؤمنين ورجال ونساء وأطفال عيون للنفس لا الجسد مشغولة بالنظر إلى يسوع. فإن النظر إليه يجعل نوره ينعكس فتصير وجوهكم أكثر ضياء
|