الرسالة الأحد
ما أعظم أعمالك يا رب كلها بحكمة صنعت
استيخن: باركي يا نفسي الرب
فصلٌ من رسالةِ القديسِ بولسَ الرسولِ إلى أهلِ غلاطية
يا أخوةُ إذ نعلم أن الإنسانَ لا يُبَرَّر بأعمالِ الناموس بل إنما بالإيمانِ بيسوعَ المسيح آمنَّا نحن أيضاً بيسوع المسيح لكي نُبرَّر بالإيمان بالمسيح لا بأعمال الناموس إذ لا يبرّر بأعمال الناموس أحدٌ من ذوي الجسدٌ، فإن كنا ونحن طالبون أن التبرير بالمسيح وُجِدْنا نحن أيضاً خطاة، أَفيكون المسيح إِذن خادماً للخطيئة؟ حاشا. فإني إن عُدْتُ أَبني ما قد هدمتُ أُجعلُ نفسي متعدّياً، لأني بالناموس متُّ للناموس لكي أحيا لله، صُلبت فأحيا، لا أنا بل المسيح حيٌ فيَّ. وما لي من الحياة في الجسد أنا أحياه في إيمان ابن الله الذي أحبَّني وبذل نفسه عني
إنجيل أحد لوقا السابع
فصلٌ شريفٌ من بشارةِ القديسِ لوقا البشير
في ذلك الزمان دنا إلى يسوع إنسان اسمه يايرُس وهو رئيس للمجمع، وخرَّ عند قدمي يسوع وطلب إليه أن يدخل إلى بيتِهِ. لأن له ابنة وحيدة لها نحو اثنتي عشرة سنة قد أشرفت على الموت، وبينما هو منطلق كان الجموع يزحمونه، وأنَّ امرأة بها نزف دم منذ اثنتي عشرة سنة وكانت قد أنفقت معيشتها كلها على الأطباء، ولم يستطع أحد أن يشفيها. دنت من خلفه ومست هُدْب ثوبِهِ، ولوقت وقف نزف دمها، فقال يسوع من الذي لمسني. وإذ أنكر جميعهم قال بطرس والذين معه يا معلم إن الجموع يضايقونك ويزحمونك وتقول من لمسني، فقال يسوع إنه قد لمسني واحد لأني علمت أن قوَّة قد خرجت مني، فلما رأَت المرأَة أنها لم تخفَ جاءَت مرتعدة وخرَّتْ له وأخبرت أمام كل الشعب لأيَّة علَّةٍ لمسته وكيف بَرِئت للوقت، فقال لها يسوع ثقي يا ابنة إيمانك أبرأكِ. فاذهبي بسلام، وفيما هو يتكلم جاءَ واحد من ذوي رئيس المجمع وقال له إن ابنتك قد ماتت فلا تتعب المعلم. فسمع يسوع فأجابه قائلاً لا تخف. آمن فقط فتبرأ هي، ولما دخل البيت لم يَدَعْ أحداً يدخل إلا بطرس ويعقوب ويوحنا وأبا الصبية وأمها، وكان الجميع يبكون ويلطمون عليها. فقال لا تبكوا. إنها لم تمُتْ ولكنها نائمة. فضحكوا عليه لعلمهم بأنها قد ماتت، فأمسك بيدها ونادى قائلاً يا صبية قومي، فرجعت روحها وقامت في الحال. فأمر أن تُعطَى لتأكل. فدهش أبواها. فأوصاهما أن لا يقولوا لأحد ما جرى
تفسير الانجيل
سبق لنا الحديث عن هذه المرأة (تفسير مت 9: 18؛ مر 5: 22)، لكن ما نود توضيحه هنا أن إبراء نازفة الدم جاء في الطريق ما بين لقاء يايرس للسيِّد، وإقامة ابنة يايرس، بينما كان السيِّد في طريقه إلى بيت يايْرُس. وقد تمَّ ذلك بهدف خاص وهو أن يايْرُس مع كونه رئيسًا للمجمع لكن إيمانه كان أضعف من إيمان قائد المائة. كان الأول يطلب من السيِّد أن يأتي بيته ليشفي ابنته التي أوشكت على الموت، أما الثاني فآمن أن السيِّد قادر أن يشفي غلامه بكلمة، وأنه لا حاجة لمجيئه إلى البيت، خاصة وأنه لا يستحق أن يدخل السيِّد هذا البيت!
كان قلب يايْرُس مضطربًا جدًا، وكانت اللحظات تعبر كسنوات طويلة، يشتاق أن يُسرع السيِّد لينقذ ابنته لئلا تموت، إذ لم يكن بعد يؤمن أنه قادر على الإقامة من الأموات. من يستطيع أن يُعبِّر عن نفسيَّة يايْرُس حين أوقف السيِّد المسيح الموكب كله ليقول: "من لمسني؟"، بينما كان يتعجَّل اللقاء؟ على أي الأحوال، أعطي الرب لهذا الرئيس درسًا في الإيمان، كيف اغتصبت امرأة مجهولة القوَّة خلال لمسِها هدب ثوبه، ونالت ما لم تنَلْه الجموع الغفيرة، معلنًا له إمكانيَّة التمتُّع بعمل المسيَّا وقوَّته.
ولعل السيِّد وهو منطلق إلى بيت يايْرُس رئيس المجمع أراد أن يقدِّم له كما للجماهير درسًا في "صداقته العاملة"، وأنه وهو يهتم برئيس المجمع لا يتجاهل امرأة مجهولة دنِسة حسب الشريعة، يعمل لحساب الكل ومن أجل الجميع.
قلنا أنه الصديق العامل بلا انقطاع... يعمل لحساب رئيس مجمع جاء يتوسَّل إليه من أجل ابنته، ويعمل أيضًا من أجل امرأة مجهولة، يعمل علانيَّة بانطلاقه إلى بيت يايْرُس، ويعمل خِفية، إذ قال أن قوَّة خرجت منه! هذا ومن ناحيَّة أخرى أراد أن يؤكِّد أنه ليس من وقت معيَّن للعمل، إنما كل وقته هو للعمل. أنه يشفي واهبًا قوَّة خلال الطريق لإقامة ابنة!
هذه المرأة التي فقدت رجاءها في الأذرع البشريَّة، إذ أنفقت كل أموالها على الأطبَّاء، لم تفقد ثقتها وإيمانها بالمخلِّص. لقد لمستْه، فنالت ما لم يناله الذين يزحِمونه، لذلك أراد الرب أن يتمجَّد فيها، فأعلن عن القوَّة التي خرجت منه، أما هي فجاءت مرتعدة [47] تحمل خوف الله، متعبِّدة إذ خرَّت له، شاهدة للحق إذ أخبرت قدام جميع الشعب عن سبب لمسها إيّاه وكيف برِئت في الحال.
لم يرد الرب أن يحاسبها، إنما أن يزكِّيها، إذ صارت تمثِّل الكنيسة الحاملة لخوف الله، العابدة بالحق، الشاهدة لعمل مسيحها.
أمام هذا المنظر الذي سحَب قلوب الكل فاض عليها الصديق الأعظم بهبات محبَّته، إذ قال لها: "ثقي يا ابنة، إيمانك قد شفاكِ، اذهبي بسلام" [48]. هي آمنت وهو يُزيد إيمانها أكثر فأكثر بقولِه "ثِقي"، فالإيمان هو عطيَّة الله لمن يسأله، والنمو في الإيمان هو هِبة لمن يمارس الإيمان. يهبنا الإيمان إن سألناه، ويُزيد إيماننا إن أضرمنا ما أعطانا إيَّاه.
وهبها النمو في الإيمان، كما أعلن عطيَّة البنوَّة بقوله: "يا ابنة"... هذه العطيَّة التي تفوق كل عطيَّة أو موهبة. هي آمنت ونالت، فمجَّدته بإيمانها، ويمجِّدها أيضًا هو بقوله: "إيمانك قد شفاكً". أخيرًا قدَّم لها عطيَّة السلام الروحي والنفسي: "أذهبي بسلام".
يا للعجب، فإنه كصديق اِهتمَّ بجسدها فشفاه، وبنفسها فأعطاها السلام، وبروحها فجعلها ابنة له تشارِكه أمجاده السماويَّة!
جاءت قصة إقامة ابنة يايرس مرتبطة بشفاء نازفة الدم بأكثر تفصيل في إنجيل معلّمنا لوقا البشير (8: 41-56). لقد تقدّم يايرس رئيس المجمع إلى السيّد، ووقع عند قدميه، يسأله أن يدخل بيته، لأن ابنته كانت في حالة موت.
حقًا لقد أظهر يايرس رئيس المجمع اليهودي إيمانا بالسيّد، لكن قائد المائة الأممي غلبة في إيمانه (مت 8: 5-13)، إذ لم يسأله أن يحضر إلى بيته ولا أن يمد يده على غلامه ليشفيه، وإنما قال: "قل كلمة"، أمّا رئيس المجمع اليهودي فقال: "تعال وضع يدك عليها، فتحيا". حقًا إن كثيرين يأتون من المشارق والمغارب بإيمان أعظم ممّا لبني الملكوت!
في الطريق قبل أن يسمع أن ابنته ماتت (لو 8: 49). سمح الرب بشفاء نازفة الدم ليرى بعينيّه ويلمس عمله الإلهي فلا يشك.
إن عُدنا إلى الكتاب المقدّس نجده يروي لنا ثلاث معجزات خاصة بإقامة السيّد المسيح للموتى، تمثل عمله الإلهي في إقامتنا من موت الخطيّة... هذه المعجزات هي:
أولاً: إقامة ابنة يايرس وهي بعد صبيّة صغيرة، لم تُرفع بعد عن سرير الموت في بيت أبيها، تُشير إلى النفس التي ماتت بالخطيّة خلال الفكر الخفي في الداخل، وهي تحتاج أن يدخل السيّد إلى بيتها "قلبها"، ويلمس يدها فتقوم.
ثانيًا: إقامة الشاب ابن الأرملة، وكان قد حُمل في النعش إلى الطريق، يمثّل النفس التي عاشت في الخطيّة ليس خلال الفكر فقط، وإنما ظهرت أيضًا خلال العمل، فخرجت من البيت إلى الطريق كما في نعش، تحتاج إلى أن يوقِف الله حاملي النعش، ويأمر الشاب أن يقوم ثم يدفعه إلى أمه. إنها تحتاج إلى تدخّل الله للتوقّف عن التحرّك نحو قبر الخطايا، فلا يكمّل الشرّير طريق شرّه، حتى لا تتحوّل الخطيّة فيه إلى عادة، إنّما يسمع الصوت الإلهي يناديه ليهبه روح القيامة ويدفعه إلى الكنيسة أمه.
ثالثًا: إقامة لعازر بعدما دفن في القبر أربعة أيام وحدث تعفُّن للجسد، إشارة إلى من تحوّلت الخطيّة في حياته إلى عادة، ارتبطت به وهو ارتبط بها، فصار كأنه والخطيّة أمر واحد. لقد انزعج السيّد وبكى وأمر برفع الحجر، ثم نادى لعازر أن يخرج، وطلب ممّن حوله أن يحلّوه من الرباطات! مثل هذه النفوس يبكيها السيّد نفسه، ويذهب إلى قبرها، ويأمر برفع حجر القسوة، وبكلمة فمه يقيمها ويخرجها من قبر الخطيّة، طالبًا من الكهنة أن يحلّوها من رباطاتها.
إن عدنا إلى إقامة الصبيّة نجد السيّد يقول: "تنحّوا، فإن الصبيّة لم تمت لكنها نائمة" [24]، وكأنه كان يشجّع تلاميذه على قبول الموت بلا انزعاج كمن يدخل إلى النوم ليستريح.
v حقًا عندما جاء المسيح صار الموت نومًا!
v إن كنت تحب الراحل يلزمك أن تفرح وتسر أنه قد خلُص من الموت الحاضر.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
أما بخصوص شفاء نازفة الدم بلمسها هدب ثوب السيّد خفية، فقد أعلن السيّد أمرها، ويقدّم القدّيس يوحنا الذهبي الفم التعليلات التالية لتصرُّف السيّد:
أولاً: ليضع نهاية لمخاوف المرأة، لئلا تتألّم إذ ينخسها ضميرها أنها نالت العطيّة خلسة.
ثانيًا: أنه حسبها على حق أن تخفي فكرها.
ثالثًا: أعلن إيمانها للكل، ليحثّ البقيّة على الاقتداء بها، فإن وقفِه لينبوع دمها ليس بعلامة أعظم ممّا أظهره أنه يعرف كل الأمور (يعرف فكرها وإيمانها وتلامسها الخفي معه).
علاوة على هذا كان رئيس المجمع في طريقه إلى الدخول إلى عدم الإيمان وهلاكه تمامًا، فجاءت هذه المرأة لتصلح من شأنه. لقد جاءوا إليه قائلين: "قد ماتت ابنتك، لا تُتعب المعلّم" (لو 8: 49)، والذين كانوا في البيت ضحكوا عليه ساخرين به عندما قال أنها نائمة، وكان يمكن أن يكون للأب نفس هذه المشاعر، لهذا قدّم له هذه المرأة البسيطة ليُصحّح من ضعفه مقدّمًا.
بين كنيسة الأمم وكنيسة اليهود
ارتباط شفاء نازفة الدم بإقامة ابنة يايرس رئيس المجمع اليهودي إنّما يُشير إلى التقاء الأمم كما اليهود بالسيّد المسيح كطبيب النفوس وواهب الحياة؛ ويلاحظ في هاتين المعجزتين:
أولاً: كان عمر الصبية التي ماتت وقد استدعى والدها السيّد المسيح لإقامتها اثني عشر سنة إشارة إلى جماعة اليهود الذين ينتسبون إلى اثني عشر سبطًا، وقد سقطوا تحت الموت، فانطلق الناموس كقائد لهم يُعلن الحاجة إلى مجيء المسيّا ليقيمهم. وقد جاء السيّد إلى بيتها، لأن المسيّا وُلد بين اليهود كواحد منهم. أمّا نازفة الدم فقد عاشت اثنتي عشرة عامًا في حالة نزف دم إشارة إلى قضاء كل زمانها السابق في نجاسة الخطيّة التي استنزفت حياتها. إنها اِلتقت بالسيّد في الطريق ولم يدخل السيّد بيتها، فإن السيّد لم يأتِ بالجسد من الأمم، ولا حلّ جسديًا في وسطهم، إنّما اِلتقى بهم كما في الطريق.
v يُفهِّم هذا الرئيس بكونه الناموس الذي يسأل الرب أن يهب حياة للشعب الميّت، هذا الناموس الذي بشَّر بالتطلّع إلى مجيء الرب.
v يذهب الرب إلى بيت الرئيس كما إلى المجمع، الذي منه تخرج الأصوات كما من نحيب من ترنيمات الناموس.
v نقول بأن المرأة (نازفة الدم) تمثل الكنيسة الخارجة من الأمم. إذ كان الرب في طريقه لإقامة ابنة رئيس المجمع، هذه التي تمثل الشعب اليهودي، إذ جاء الرب من أجل اليهود وحدهم، قائلاً: "لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (مت 15: 24). إذن كما جاء إلى ابنة رئيس المجمع، فجأة لا أعرف من أين جاءت هذه المرأة ولمست بإيمان الرب، قائلة: "إن مسست هُدب ثوبه فقط شُفيت"، وقد لمست وشفيت.
إذن عانت هذه المرأة من نزف الدم... وأنفقت كل معيشتها على الأطباء (لو 8: 43). إنها تشبه كنيسة (جماعة) الأمم البائسة التي طلبت السعادة، وسألت عن مصدر القوّة، بكل وسائل الشفاء. أي شيء عندها لم تنفقه على الأطباء الباطلين من الفلكيّين والمنجّمين ومفسدي الهياكل؟! لقد وعدها هؤلاء جميعًا بالشفاء لكنهم لم يقدروا، إذ لا يملكونه. لقد أنفقت كل ما عندها ولم تشفى. لذلك قالت: "إن مسست هدب ثوبه فقط شفيت". لقد لمست وشفيت.
لنسأل ما هو هدب ثوبه؟... لنفهم أن الرسل هم ثوب الرب الملاصقون له. اسأل من هو الرسول الذي أُرسل للأمم؛ تجده بولس الرسول، إذ كانت أعظم أعماله الرسوليّة بين الأمم... إنه هدب ثوب الرب، إذ كان آخر الرسل. هل يوجد أحد يُحسب كآخر هذا الثوب والأقل؟ يقول الرسول أنه كان هكذا: "آخر الكل، لأني أصغر الرسل" (1 كو 15: 8-9).
لنلمسه نحن أيضًا، أي لنؤمن فنشفَى!
v أي شيء تمثله هذه المرأة؟ كنيسة الأمم التي نالت الشفاء التي لم تشاهد المسيح بالجسد، والتي أشار إليها المزمور: "شعب لم أعرفه يتعبّد لي، من سماع الأذن يسمعون لي" (مز 18: 43-44). لقد سمع العالم كلّه عنه وآمن به، أمّا اليهوديّة فرأته وصلبته أولاً، وبعد ذلك سيأتون إليه. سيؤمن اليهود به في نهاية العالم.
رأى يايْرُس هذا المنظر، ولعلَّه بعدما اِضطرب في البداية إذ خشي التأخير، امتلأ إيمانًا، فصارت المرأة نازفة الدم معلِّمًا لرئيس المجمع عن طريق الإيمان.
لقد أراد الرب أيضًا أن يُزيد إيمان يايْرُس أكثر فأكثر، فسمح له بضيقة أمَرْ، إذ جاء واحد من داره يقول له: "قد ماتت ابنتك لا تتعِب المعلِّم" [49]. وقبل أن ينطق بكلمة سمع المعلِّم يقول: "لا تخف، آمن فقط فهي تُشفي
|